Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
إنما أنت مستعير لما سو ... ف تردن، والمعار يرد كيف يهوى امرؤ لذاذة أيا ... م عليه الانفاس فيها تعد
وقال:
حياتك أنفاس تعد، فكلما ... مضى نفس منهانقصت به جزءا
يميتك ما يحييك في كل ساعة ... ويحدوك حاد ما يريد بك الهزءا
ألا يا موت لم أر منك بدا ... أتيت بما يخيف ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي
نسيت الموت فيما قد نسيت ... كأني لم أجد أحدا يموت
أليس الموت غاية كل حي ... فمالي لا أبادر ما يفوت
وقال:
وعظتك أجداث صمت ... وبكتك ساكنة خفت
وتكلمت عن أعظم ... تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وانت حيئ لم تمت
ومشيد دارا ليسكن ظلها ... سكن القبور، وداره لم يسكن
إسحاق الموصلي يغني للرشيد:
حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: بينا أنا ذات ليلة عند الرشيد أغنيه إذ طرب لغنائي، وقال: لا تبرح، ولم أزل أغنيه حتى نام، فأمسكت، ووضعت العود في حجري،، جلست مكاني، فإذا بشاب صبيح الوجه حسن القد عليه مقطعأت خز وهيئة جميلة، فدخل وسلم وجلس، فجعلت أعجب من دخوله في ذلك الوقت إلى ذلك الموضع بغير استئذان، ثم قلت في نفسي: عسى بعض ولد الرشيد ممن لا نعرفه ولم نره، فضرب بيده إلى العود، فأخذه ووضعه في حجره وجسه، فرأيت أنه جس أحسن خلق الله، ثم أصلحه إصلاحا ما أدري ما هو، ثم ضرب ضربا، فما سمعت أذني صوتا أجود منه، ثم إندفع يغني:
ألا عللاني قبل إن نتفرفا ... وهات اسقني صرفا شرابا مروقا
فقد كاد ضوء الصبح أن يفضح الدجى ... وكاد قميص الليل أن يتمزقا
ثم وضع العود من حجره، وقال: يا عاض بظر أمه، إذا فنيت فغن هكذا، ثم خرج، فقمت على أثره، فقلت للحاجب: من الفتى الذي خرج الساعة؟ فقال: ما دخل هنا أحد ولا خرج قلت: نعم الساعة مر بين يدي فتى صفته كيت وكيت، قال: لا والله ما دخل أحد ولا خرج فبقيت متعجبا، فبقي متعجبا، وقال: لقد صادفت شيطانا، ثم قال: أعد علي الصوت، فأعدته عليه، فطرب طربا شديدا، وأمر لي بجائزة، وانصرفت.
جماعة المغنين عند الرشيد
Page 8