395

Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar

مروج الذهب ومعادن الجوهر

كان الوليد جبارا عنيدا، ظلوما ضلوما غشوما، وخلف من الولد أربعة عشر ذكرا، منهم يزيد، وعمرو، وبشر العالم، والعباس، وكان يدعى فارس بني مروان لشهامته، فعدل الوليد بالأمر عن ولده بعده أتباعا لوصية عبد الملك على حسب ما رتبها، وكان نقش خاتمه يا وليد إنك ميت فكان كلما هم أن يجعل الأمر لولده قلب الفص وقرأ إنك ميت فيقول: لأها الله ، لا خالفت ما أمرني به أبي، إني لميت.

بناء مسجد دمشق والمدينة

وفي سنة سبع وثمانين ابتدأ الوليد ببناء المسجد الجامع بدمشق وبناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فأنفق عليهما الأموال الجليلة، وكان المتولي للنفقة على ذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.

وحكي عثمان بن مرة الخولاني قال: لما ابتدأ الوليد ببناء مسجد دمشق وجد في حائط المسجد لوحا من حجارة فيه كتابة باليونانية، فعرض على جماعة من أهل الكتاب، فلم يقدروا على قراءته، فوجه به إلى وهب بن منبه، فقال: هذا مكتوب في أيام سليمان بن داود عليهما السلام، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، يا ابن آدم، لو عاينت ما بقي من يسير أجلك، لزهدت فيما بقي من طول أملك، وقصرت عن رغبتك وحيلك، وإنما تلقى ندمك، إذا زلت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، تم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الفوت، وقبل أن يؤخذ منك بالكظم، ويحال بينك وبين العمل، وكتب زمن سليمان بن داود، فأمر الوليد أن يكتب بالذهب على اللازورد في حائط المسجد، ربنا الله، لا نعبد إلا الله، أمر ببناء هذا المسجد، وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله الوليد أمير المؤمنين في ذي الحجة سنة سبع وثمانين، وهذا الكلام مكتوب بالذهب في مسجد دمشق إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة.

بين الوليد والحجاج

ووفد الحجاج بن يوسف على الوليد، فوجده في بعض نزهه، فاستقبله، فلما رآه ترجل له، وقبل يده، وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية، فقال له الوليد: اركب يا أبا محمد، فقال: دعني يا أمير المؤمنين أستكثر من الجهاد، فإن ابن الزبير وابن الأشعث شغلاني عنك، فعزم عليه الوليد حتى ركب، ودخل الوليد داره، وتفضل في غلالة، ثم أذن للحجاج فدخل عليه في حالة تلك وأطال الجلوس عنده، فبينما هو يحادثه إذ جاءت جارية فسارت الوليد ومضت، ثم عادت فسارته ثم انصرفت، فقال الوليد للحجاج: أتدري ما قالت هذه يا أبا محمد. قال: لا والله، قال: بعثتها إلي ابنة عمي أم البنين بنت عبد العزيز تقول: ما مجالستك لهذا الأعرابي المتسلح في السلاح وأنت في غلالة، فأرسلت إليها إنه الحجاج، فراعها ذلك، وقالت: والله ما أحب أن يخلو بك وقد قتل الخلق، فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعهن على سرك، ولا مكايدة عدوك، ولا تطعهن في غير أنفسهن، ولا تشغلهن بأكثر من زينتهن، وإياك ومشاورتهن في الأمور فإن رأيهن إلى وهن، وعزمهن إلى وهن، وأكفف عليهن من أبصارهن بحجبك، ولا تملك الواحدة منهن من الأمور ما يجاوز نفسها، ولا تطمعها أن تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الجلوس معهن والخلوة بهن، فإن ذلك أوفر لعقلك، وأبين لفضلك، ثم نهض الحجاج فخرج.

بين الحجاج وأم البنين

Page 417