391

Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar

مروج الذهب ومعادن الجوهر

حدث المنقري، عن العتبي، عن أبيه، أن الحجاج وجه الغضبان بن القبعثري إلى بلاد كرمان ليأتيه بخبر ابن الأشعث عند خلعه، ففضل من عنده، فلما صار ببلاد كرمان ضرب خباءه ونزل، فإذا هو بأعرابي قد أقبل عليه فقال: السلام عليك، فقال الغضبان: كلمة مقولة، فقال له الأعرابي: من أين جئت؟ قال: من ورائي، قال: وأين تريد؟ قال: أمامي، قال: وعلام جئت؟ قال: على فرسي، قال: وفيم جئت؟ قال: في ثيابي، قال: أتأذن لي أن أدنوا إليك قال: وراءك أوسع لك، قال: والله ما أريد طعامك ولا شرابك، قال: لا تعرض بهما فوالله لا تفوقهما، قال: أو ليس عندك إلا ما أرى؟ قال: بل هراوة من أرزن أضرب بها رأسك، قال: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي، بل عليهما يبردان، قال: فكيف ترى فرسي هذا؟ قال: أراه خيرا من آخر شر منه وأرى آخر أفره، قال: قد علمت هذا؟ قال: لو علمته ما سألتني عنه، فتركه الأعرابي، وولى، ثم دخل على عبد الرحمن بن الأشعث فقال: ما وراءك يا غضبان؟ قال: الشر، تغذ بالحجاج قبل أن يتعشى بك، ثم صعد المنبر فخطب بمعايب الحجاج والبراءة منه، ودخل مع ابن الأشعث في أمره، فلم يلبث إلا قليلا ثم أسر ابن الأشعث، فأخذ الغضبان فيمن أسر، فلما أدخل على الحجاج قال: يا غضبان، كيف رأيت بلاد كرمان؟ قال: أصلح الله الأمير، بلاد ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصها بطل، والخيل بها ضعاف، وإن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلوا ضاعوا، قال: ألست صاحب الكلمة الخبيثة تغذ بالحجاج قبل أن يتعشى بك قال: أصلح الله الأمير! ما نفعت من قيلت له، ولا ضرت من قيلت فيه، قال: لأقطعن يديك ورجليك من خلاف ثم لأصلبنك، قال: لا أرى الأمير أصلحه الله يفعل ذلك، فأمر به فقيد وألقي في السجن، فأقام به حتى بنى الحجاج خضراء واسط، فلما استتم بناءها جلس في صحنها، وقال: كيف ترون قبتي هذه؟ قالوا: ما بني لخلق قبلك مثلها، قال: فإن فيها مع ذلك عيبا قهل فيكم مخبري به؟ قال: والله لا نرى بها عيبا، فأمر بإحضار الغضبان، فأتى به يرسف في قيوده، فلما دخل عليه قال له الحجاج: أراك يا غضبان سمينا، قال: أيها الأمير القيد والرتعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن، قال: فكيف ترى قبتي هذه؟ قال: أرى قبة ما بني لأحد مثلها إلا أن بها عيبا، فإن أمنني الأمير أخبرته به، قال: قل أمنا قال: بنيت في غير بلدك لغير ولدك لاتتمتع به ولاتنعم، فما لما لايتمتع فيه من طيب ولا لذة، قال: ردوه فإنه صاحب الكلمة الخبيثة، قال: أصلح الله الأمير! إن الحديد قد أكل لحمي وبرى عظمي، فقال: احملوه، فلما استقل به الرجال قال: " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين " قال: أنزلوه، فلما استوى على الأرض قال: " اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين " قال: جروه، فلما جروه قال: " بسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم " قال: أطلقوا عنه.

Page 413