385

Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar

مروج الذهب ومعادن الجوهر

يا أهل العراق، هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو دبي كاذب إلا كنتم أنصاره وأشياعه؟!. يا أهل العراق، لم تنفعكم التجارب وتحفظكم المواعظ وتعظكم الوقائع، هل يقع في صدوركم ما أوقع الله بكم عند مصادر الأمور ومواردها يا أهل الشام، أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه، ينفي عنهن القذى، ويكنفهن من المطر، ويحفظهن من الذئاب، ويحميهن من سائر الدواب، لا يخلص إليهن معه قذى، ولا يفضي إليهن ردى، ولا يمسهن أذى.

يا أهل الشام، أنتم العدة والعدد، والجنة في الحرب، إن نحارب حاربتم، أو نجانب جانبتم، وما أنتم وأهل العراق إلا كما قال نابغة بني جعدة:

وإن تداعيهم حظهم ... ولم ترزقوه ولم نكذب

كقول اليهود قتلنا المسيح ... ولم يقتلوه ولم يصلب

في أبيات.

من عبد الملك إلى الحجاج

ولما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطائه الأموال بلغ ذلك عبد الملك، فكتب إليه: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين سرفك في الدماء، وتبذيرك في الأموال، ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين الخصلتين لأحد من الناس، وقد حكم عليك أمير المؤمنين في الدماء في الخطأ الدية وفي العمد القود، وفي الأموال ردها إلى مواضعها، ثم العمل فيها برأيه، فإنما أمير المؤمنين أمين الله، وسيان عنده منع حق وإعطاء باطل، فإن كنت أردت الناس له فما أغناهم عنك، وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم، وسيأتيك من أمير المؤمنين أمران لين وشدة، فلا يؤنسنك إلا الطاعة، ولا يوحشنك إلا المعصية، وظن بأمير المؤمنين كل شيء إلا احتمالك على الخطأ، وإذا أعطاك الظفر على قوم فلا تقتلن جانحا ولا أسيرا، وكتب في أسفل كتابه:

إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها ... وتطلب رضائي بالذي أنا طالبه

وتخشى الذي يخشاه مثلك هاربا ... إلى الله منه ضيع الدرحالبه

فإن ترمني غفلة قرشية ... فياربما قد غص بالماء شاربه

وإن تر مني وثبة أموية ... فهذا وهذا كل ذا أنا صاحبه

فلا لا تلمني والحوادث جمة ... فإنك مجزي بما أنت كاسبه

ولاتعد مايأتيك مني، وإن تعد ... يقوم بها يوما عليك نوادبه

ولاتنقصن للناس حقاعلمته ... ولاتعطين ماليس لله جانبه

وهي أبيات من جيد ما اخترناه من قول عبد الملك.

جواب الحجاج

فلما قرأ الحجاج كتابه كتب: أما بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في الدماء، وتبذيري في الأموال، ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ما هم أهله، وما قضيت حق أهل الطاعة بما استحقوه، فإن كان قتلي أولئك العصاة سرفا وإعطائي أولئك المطيعين تبذيرا فليسوغني أمير المؤمنين ما سلف، وليحد لي فيه حدا انتهي إليه إن شاء الله تعالى، ولا قوة إلا بالله، ووالله ما علي من عقل ولا قود: ما أصبت القوم خطأ فأديهم ولا ظلمتهم فأقاد بهم ولا أعطيتهم إلا لك، ولا قتلت إلا فيك، وأما ما أنا منتظره من أمريك فألينهما عدة وأعظمهما محنة، فقد عبأت للعدة الجلاد، وللمحنة الصبر، وكتب في أسفل كتابه:

إذا أنا لم أتبع رضاك وأتقي ... أذاك فيومي لاتزول كواكبه

وما لامرىء بعد الخليفة جنة ... تقيه من الأمر الذي هوكاسبه

أسالم من سالمت من ذي قرابة ... ومن لم تسالمه فإني محاربه

إذا قارف الحجاج منك خطيئة ... فقامت عليه في الصباح نوادبه

إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه ... وأقصي الذي تسري إلي عقاربه

فمن ذا الذي يرجو نوالي ويتقي ... مصاولتي، والدهر جم نوائبه؟

فقف بي على حد الرضا لا أجوزه ... مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه

وإلا فدعني والأمور فإنني ... شفيق رفيق أحكمتني تجاربه

وهي أبيات من جيد ما اخترناه من شعر الحجاج.

فلما انتهى كتابه إلى عبد الملك قال: خاف أبو محمد صولتي، ولن أعود لشيء يكرهه.

الحجاج يلتمس محدثا مؤنسا

Page 407