Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وقد كان على الكوفة عمرو بن حريث الخزاعي عاملا لعبيد الله بن زياد، فكتب إليه عبيد الله يحلمه بما دخل فيه أهل البصرة، ويأمره أن يأمر أهل الكوفة بما دخل فيه أهل البصرة، فصعد عمرو بن حريث على المنبر، فخطب الناس وذكر لهم ما دخل فيه أهل البصرة فقام يزيد بن رويم الشيباني فقال: الحمد لله الذي أطلق أيماننا، لا حاجة لنا في بني أمية، ولا في إمارة ابن مرجانة، وهي أم عبيد الله، وأم أبيه زياد سمية على ما ذكرنا آنفا، إنما البيعة لأهل الحجر - يعني أهل الحجاز - فخلع أهل الكوفة ولاية بني أمية وإمارة ابن زياد وأرادوا أن ينصبوا لهم أميرا إلى أن ينظروا في أمرهم، فقال جماعة: عمرو بن سعد بن أبي وقاص يصلح لها، فلما هموا بتأميره أقبل نساء من همدان وغيرهن من نساء كهلان والأنصار وربيعة والنخع حتى دخلن المسجد الجامع صارخات باكيات معولات يندبن الحسين ويقلن: أما رضي عمرو بن سعد بقتل الحسين حتى أراد أن يكون أميرا علينا على الكوفة، فبكى الناس، وأعرضوا عن عمرو، وكان المبرزات في ذلك نساء همدان، وقد كان علي عليه السلام مائلا إلى همدان مؤثرا لهم، وهو القائل:
فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقال:
عبييت همدان وعبوا حميرا
ولم يكن بصفين منهم أحد مع معاوية وأهل الشام إلا ناس كانوا بغوطة دمشق، بقرية تعرف بعين ثرما، فيها منهم قوم إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة.
ولما اتصل خبر أهل الكوفة بابن الزبير أنفذ إليهم عبد الله بن مطيع العدوي على ما قدمنا آنفا، فتولى أمرهم حتى وجه المختار في أثره.
تدبير مروان بن الحكم
ونظر مروان بن الحكم في إطباق الناس على مبايعة ابن الزبير، وإجابتهم له، فأراد أن يلحق به وينضاف إلى جملته، فمنعه من ذلك عبيد الله بن زياد عند لحاقه بالشام، وقال له: إنك شيخ بني عبد مناف فلا تعجل، فصار مروان إلى الجابية، من أرض الجولان، بين دمشق والأردن، واستمال الضحاك بن قيس الفهري الناس، ورأسهم، وانحاز عن مروان، وأراد دمشق، فسبقه إليها الأشدق، عمرو بن سعيد بن العاص فدخلها وصار الضحاك إلى حوران والبثنة وأظهر الدعوة لابن الزبير، والتقى الأشدق ومروان، فقال الأشدق لمروان: هل لك فيما أقوله لك فهو خير لي ولك. قال مروان: وما هو. قال: أدعو الناس إليك وآخذك لك على أن تكون لي من بعدك، فقال مروان: لا، بل بعد خالد بن يزيد بن معاوية، فرضي الأشدق بذلك، ودعا الناس إلى بيعة مروان فأجابوا، ومضى الأشدق إلى حسان بن مالك بالأردن، - فأرغبه في بيعة مروان، فجنح لها.
البيعة لمروان
وبويع مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمش بن عبد مناف، ويكنى أبا عبد الملك، وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان، وذلك بالأردن، وكان أول من بايعه أهلها، وتمت بيعته.
وكان مروان أول من أخذها بالسيف كرها على ما قيل بغير رضا من عصبة من الناس، بل كل خوفه إلا عددا يسيرا حملوه على وثوبه عليها، وقد كان غيره ممن سلف أخذها بعدد وأعوان إلا مروان، فإنه أخذها على ماوصفنا! وبايع مروان بعده لخالد بن يزيد، ولعمرو بن سعيد الأشدق بعد خالد، وكان مروان يلقب بخيط باطل، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الحكم أخوه:
لحا الله قوما أمروا خيط باطل ... على الناس يعطي من يشاء ويمنع
واشترط حسان بن مالك - وكان رئيس قحطان وسيدها بالشام - على مروان ما كان لهم من الشروط على معاوية، وابنه يزيد، وابنه معاوية بن يزيد: منها أن يفرض لهم لالذي رجل الذين الذين، وإن مات قام ابنه أو ابن عمه مكانه، وعلى أن يكون لهم الأمر والنهي، وصدر المجلس، وكل ما كان من حل وعقد فعن رأي منهم ومشورة، فرضي مروان بذلك، فإنقاد إليه، وقال له مالك بن هبيرة اليشكري: إنه ليست لك في أعناقنا بيعة، وليس نقاتل إلا عن عرض دنيا؟ فإن تكن لنا على ما كان لنا معاوية ويزيد نصرناك، وإن تكن الأخرى فوالله ما قريش عندنا إلا سواء، فأجابه مروان إلى ما سأل!.
لقاء مروان والضحاك بن قيس
Page 385