349

Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar

مروج الذهب ومعادن الجوهر

قال: فما تقول في علي؟ قال: رضي الله عن أبي الحسن، كان والله علي علم الهدى، وكهف التقي، ومحل الحجا، وبحر الندى، وطود النهي، وكهف العلا، للورى داعيا إلى المحجة العظمى، متمسكا بالعروة الوثقى، خير من آمن واتقى، وأفضل من تقمص وارتدى، وأبر من انتعل وسعى، وأفصح من تنفس وقرأ، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبي المصطفى، صاحب القبلتين فهل يوازيه أحد. وهو أبو السبطين فهل يقارنه بشر. وزوج خير النساء فهل يفوقه قاطن بلد. للأسود قتال، وفي الحروب ختال، لم تر عيني مثله ولن ترى، فعلى من انتقصه لعنة الله والعباد إلى يوم التناد.

قال: أيها يا ابن عباس، لقد أكثرت في ابن عمك، فما تقول في أبيك العباس..

وصف العباس

قال: رحم الله العباس أبا الفضل، كان صنو نبي الله صلى الله عليه وسلم، وقرة عين صفي الله، سيد الأعمام، له أخلاق آبائه الأجواد، وأحلام أجداده الأمجاد، تباعدت الأسباب في فضيلته، صاحب البيت والسقاية، والمشاعر والتلاوة، ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دب؟.

فقال معاوية: يا ابن عباس، أنا أعلم أنك كلماني في أهل بيتك قال: ولم لا أكون كذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل؟.

وصف الصحابة عامة

ثم قال ابن عباس بعد هذا الكلام: يا معاوية، إن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خص نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: " رحماء بينهم " الآية، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل الله بهم الشرك، وأزال رؤوسه، ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات اللة ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الأخرى قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها.

فقطع عليه معاوية الكلام، وقال: إيها يا ابن عباس، حديثا في غير هذا.

ذكر أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان

وبويع يزيد بن معاوية، فكانت أيامه ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثماني ليال، وأخذ يزيد لابنه معاوية بن يزيد البيعة على الناس قبل موته، ففي ذلك يقول عبد الله بن همام السلولي:

تلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوي عن يزيدا

لقدعلقت بكم فتلقفوها ... ولاترموا بها الغرض البعيدا

وهلك يزيد بحوارين من أرض دمشق لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستين، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وفي ذلك يقول رجل من عنزة:

يا أيها القبر بحوارينا ... ضممت شر الناس أجمعينا

وقد رثاه الأخطل النصراني، فقال من قصيدة:

لعمري لقد دلى إلى اللحد خالد ... جنازة لا نكس الفؤاد ولا غمر

مقيم بحوارين ليس يريمها ... سقته الغوادي من ثوي ومن قبر

في أبيات.

ذكر مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ومن قتل معه من أهل بيته وشيعته

أهل الكوفة يدعون الحسين

ولما مات معاوية أرسل أهل الكوفة إلى الحسين بن علي: إنا قد حبسنا أنفسنا على بيعتك، ونحن نموت دونك، ولسنا نحضرجمعة ولا جماعة بسببك. وطولب الحسين بالبيعة ليزيد بالمدينة فسام التأخير، وخرج يتهادى بين مواليه ويقول:

لا ذعرت السوام في فلق ... الصبح مغيرا، ولا دعيت يزيدا

يوم أعطي مخافة الموت ضيما ... والمنايا ترصدنني أن أحيدا

مسلم بن عقيل يتقدم الحسين إلى الكوفة

Page 371