Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
إن السيادة والمروءة علقا ... حيث السماء من السماك الأعزل وإذا تقابل مجريان لغاية ... عثر الهجين وأسلمته الأرجل
ويجي الصريح مع العتاق معودا ... قرب الجياد فلم يجئه الأفكل
في أبيات، فقال له ابن عباس: لو أن رجلا ضرب آباط إبله مشرقا ومغربا لفائدة هذه الأبيات ما عنفته ، إنا منك يا ابن صوحان لعلى علم وحكم واستنباط ما قد عفا من أخبار العرب، فمن الحكيم فيكم؟ قال: من ملك عضبه فلم يعجل، وسعي إليه بحق أو باطل فلم يقبل، ووجد قاتل أبيه وأخيه فصفع ولم يقتل، ذلك الحكيم يا ابن عباس، قال: فهل تجد ذلك فيكم كثيرا. قال: ولا قليلا، وإنما وصفت لك أقواما لا تجدهم إلا خاشعين راهبين لله مريدين ينيلون ولا ينالون، فأما الآخرون فإنهم سبق جهلهم حلمهم، ولا يبالي أحدهم إذا ظفر ببغيته حين الحفيظة ما كان بعد أن يدرك زعمه يقضي بغيته، ولو وتره أبوه لقتل أباه، أو أخوه لقتل أخاه، أما سمعت إلى قول زبان بن عمرو بن زبان، وذلك أن عمرا أباه قتله مالك بن كومة، فأقام زبان زمانا، ثم غزا مالكا، فأتاه في مائتي فارس صباحا وهو في أربعين بيتا فقتله، وقتل أصحابه وقتل عمه فيمن قتل، ويقال: بل كان أخاه، وذلك أنه كان جاورهم، فقيل لزبان في ذلك: قتلت صاحبنا، فقال:
فلو أمي ثقفت بحيث كانوا ... لبل ثيابها علق صبيب
ولو كانت أمية أخت عمرو ... بهذا الماء ظل لها نحيب
شهرت السيف في الأدنين مني ... ولم تعطف أواصرنا قلوب
فقال له ابن عباس: فمن الفارس فيكم؟ حد لي حدا أسمعه منك فإنك تضع الأشياء مواضعها يا ابن صوحان، قال: الفارس من قصر أجله في نفسه، وضغم على أمله بضرسه، وكانت الحرب أهون عليه من أمسه، ذلك الفارس إذا وقدت الحروب، واشتدت بالأنفس الكروب، وتداعوا للنزال، وتزاحفوا للقتل، وتخالسوا المهج، واقتحموا بالسيوف اللجج، قال: أحسنت والله يا ابن صوحان، إنك لسليل أقوام كرام خطباء فصحاء، ما ورثت هذا من كلالة، زدني قال: نعم، الفارس كثير الحذر، مدير النظر، يلتفت بقلبه، ولا يدير خرزات صلبه، قال: أحسنت والله يا ابن صوحان الوصف، فهل في مثل هذه الصفة من شعر؟ قال: نعم، لزهير بن جناب الكلبي يرثي ابنه عمرا حيث يقول:
فارس تكلأ الصحابة منه ... بحسام يمرمر الحريق
لاتراه لدى الوغى في مجال ... يغفل الطرف، لا، ولافي مضيق
من يراه يخله في الحرب يوما ... أنه أخرق مضل الطريق
في أبيات، فقال له ابن عباس: فأين أخواك منك يا ابن صوحان؟ صفهما لأعرف وزنكم. قال: أما زيد فكما قال أخو غني:
فتى لا يبالي أن يكون بوجهه ... إذا سد خلات الكرام شحوب
إذا ما ترا آه الرجال تحفظوا ... فلم ينطقوا العوراء وهو قريب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... إليه، ويدعوه الندى فيجيب
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب
كأن بيوت الحي مالم يكن بها ... بسابس مايلفى بهن عريب
في أبيات، كان والله يا ابن عباس عظيم المروءة، شريف الأخوة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش العروة، أليف البدوة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الدهر، ذاكرا الله طرفي النهار وزلفامن الليل، الجوع والشبع عنده سيان، لا ينافس في الدنيا، وأقل أصحابه من ينافس فيها، يطيل السكوت، ويحفظ الكلام، وإن نطق نطق بعقام، يهرب منه الدعار الأشرار، ويألفه الأحرار الأخيار، فقال ابن عباس: ما ظنك برجل من أهل الجنة، رحم الله زيدا، فأين كان عبد الله منه. قال: كان عبد الله سيدا شجاعا، مألفا مطاعا، خيره وساع، وشره دفاع، قلبي النحيزة، أحوذي الغريزة، لا ينهنهه منهنة عما أراده، ولا يركب من الأمر إلا عتاده، سماع عدي، وباذل قرى، صعب المقادة، جزل الرفادة، أخو إخوان، وفتى فتيان، وهو كما قال البرجمي عامر بن سنان:
سمام عدى، بالنبل يقتل من رمى ... وبالسيف والرمح الرديني مشغب
Page 368