Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وفي سنة أربعين اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكروا الناس، وما هم فيه من الحرب والفتنة، وتعاهد ثلاثة منهم على قتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وتواعدوا، واتفقوا على أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه، حتى يقتله أو يقتل دونه، وهم: عبد الرحمن بن ملجم، لعنه الله! وكان من تجيب، وكان عدادهم في مراد، فنسب إليهم، وحجاج بن عبد الله الصريمي، ولقبه: البرك، وزدويه: مولى بني العنبر، فقال ابن ملجم - لعنة الله!: أنا أقتل عليا، وقال البرك: أنا أقتل معاوية، وقال زادويه: أنا أقتل عمرو بن العاص، واتعدوا أن يكون ذلك ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وقيل: ليلة إحدى وعشرين.
ابن ملجم وقطام
فخرج عبد الرحمن بن ملجم المرادى إلى علي، فلما قدم الكوفة أتى قطام بنت عمه، وكان علي قد قتل أباها وأخاها يوم النهروان، وكانت أجمل أهل زمانها، فخطبها، فقالت: لا أتزوج حتى تسمي لي: قال: لا تسأليني شيئا إلا أعطيته، فقالت: ثلاث الاف وعبدا وقينة، وقتل علي، فقال: ما سألت هو لك مهر إلا قتل علي، فلا أراك تدركينه، قالت: فالتمس غرته، فإن أصبته شفيت نفسي ونفعك العيش معي، وإن هلكت فما عند الله خير لك من الدنيا، فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر، وقد كنت هاربا منه إلا ذلك، وقد أعطيتك ما سألت، وخرج من عندها وهو يقول:
ثلاثة الاف وعبد وقينة ... وقتل علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
فلقيه رجل من أشجع يقال له شبيب بن نجمة من الخوارج، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والأخرة؛ فقال: وما ذاك؟ قال: تساعدني على قتل علي، قال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا آدا، قد عرفت غناءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن ملجم: ويحك؛أما تعلم أنه قد حكم الرجال في كتاب الله، وقتل إخواننا المصلين؛ فنقتله ببعض إخواننا، فأقبل معه حتى دخل على قطام، وهي في المسجد الأعظم، وقد ضربت كلة لها وهي معتكفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، فأعلمتهما أن مجاشع بن وردان بن علقمة قد انتدب لقتله معهما، فدعت لهما بحرير فعصبتهما وأخذوا أسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها علي للمسجد، وكان علي يخرج كل غداة أول الآذان يوقظ الناس للصلاة، وقد كان ابن ملجم مر بالأشعث وهو في المسجد، فقال له: فضحك الصبح، فسمعها حجر بن عدي، فقال: قتلته يا أعور قتلك الله، وخرج علي رضي الله عنه ينادي: أيها الناس، الصلاة، فشد عليه ابن ملجم وأصحابه وهم يقولون: الحكم لله، لا لك، وضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف في قرنه، وأما شبيب فوقعت صربته بعضادة الباب، وأما مجاشع بن وردان فهرب، وقال علي: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس على ابن ملجم يرمونه بالحصباء، ويتناولونه ويصيحون، فضرب ساقه رجل من همدان برجله، وضرب المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، وأقبل به إلى الحسن، ودخل ابن وردان بين الناس، فنجا بنفسه، وهرب شبيب حتى أتى رحله، فدخل إليه عبد الله بن نجدة - وهو أحد بني أبيه - فرآه ينزع الحرير عن صدره، فسأله عن في ذلك، فخبره خبره فانصرف عبد الله إلى رحله، وأقبل إليه بسيفه فضربه حتى قتله.
وقيل: إن عليا لم ينم تلك الليلة، وإنه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة، وهو يقول: والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها لليلة التي وعدلت فيها فلما خرج صاح بط كان للصبيان، فصاح بهن بعض من في الدار، فقال علي: ويحك! دعهن فإنهن نوائح.
وقد ذكرت طائفة من الناس أن عليا رضي الله عنه أوصى إلى ابنه الحسن والحسين،لأنهما شريكان في آية التطهير، وهذا قول كثير ممن ذهب إلى القول بالنص.
وصية علي لأولده
Page 340