Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وبعث بعبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عباس أخطأت السنة المأمور بها، دخلت إلينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا فقال لها: لو كنت في البيت الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دخلنا إلا بإذنك، وما جلسنا على رحلك إلا بأمرك، وإن أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة، والتأهب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبيت ما قلت وخالفت ما وصفت، فمضى إلى علي، فخبره بامتناعها، فرده إليها، وقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج، وجهزها علي وآتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد إخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدأن؛ فلما بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبة، فقال: لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر وغيرهم، فضرب من كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا من في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه، فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما: إني أحب أن أقيم معك فأسير إلى، قتال عدوك عند سيرك، فقال: بل ارجعي، الذي، البيت الذي تركك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته أن يؤمن ابن أختها عبد الله بن الزبير، فأمنه، وتكلم الحسن والحسين في مروان، فأمنه، وأمن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أمية، وأمن الناس جميعا، وقد كان نادى يوم الوقعة: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن.
حزن علي على القتلى
واشتد حزن علي على من قتل من ربيعه قبل وروده البصرة، وهم الذين قتلهم طلحة والزبير من عبد القيس وغيرهم من ربيعه، وجدد حزنه قتل زيد بن صوحان العبدي قتله في ذلك اليوم عمرو بن سبرة، ثم قتل عمار بن ياسر عمرو بن سبرة في ذلك اليوم أيضا، وكان علي يكثر من قوله:
يالهف نفسي على ربيعه ... ربيعه السامعة المطيعه
وخرجت امرأة من عبد القيس تطوف في القتلى، فوجدت ابنين لها قد قتلا، وقد كان قتل زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيء علي البصرة، فأنشأت تقول:
شهدت الحروب فشيبنني ... فلم أر يوما كيوم الجمل
أضر على مؤمن فتنة ... وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في بيتها ... وليتك عسكر لم ترتحل
وقد ذكر المدائني أنه رأى بالبصرة رجلا مصطلم الأذن، فسأله عن قصته، فذكر أنه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى، فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه ويرفعه وهو يقول:
لقد أوردتنا حومة الموت امنا ... فلم تنصرف إلا ونحن رواء
أطعنا بني تيم لشقوة جدنا ... وما تيم إلا أعبد وإماء
فقلت: سبحان الله! أتقول هذا عند الموت؟ قل لا إله إلا الله، فقال: يا ابن اللخناء، إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ فوليت عنه متعجبا منه، فصاح بي ادن منى ولقني الشهادة، فصرت إليه، فلما قربت منه استدناني، ثم التقم أذني فذهب بها، فجعلت ألعنه وأدعو عليه، فقال: إذا صرت إلى أمك فقالت من فعل هذا بك؟ فقل عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين.
خروج عائشة من البصرة
Page 321