Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ولما كان سنة خمس وثلانين سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مائتي رجل، وحكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل من أهل البصرة، ومن أهل مصر ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وقد ذكر الواقدي وغيره من أصحاب السير أنه ممن بايع تحت الشجرة، إلى آخرين ممن كان بمصر مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وسعد بن حمران التجيبي، ومعهم محمد أبي بكر الصديق، وقد كان تكلم بمصر، وحرض الناس على عثمان لأمر يطول ذكره كان السبب فيه مروان بن الحكم، فنزلوا في الموضع المعروف بذي الخشب فلما علم عثمان بنزولهم بعث إلى علي بن أبي طالب فأحضره، وسأله أن يخرج إليهم ويضمن لهم عنه كل ما يريدون من العدل وحسن السيرة، فسار علي إليهم، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا، فلما صاروا إلى الموضع المعروف بحسمى إذا هم بغلام على بعير وهو مقبل من المدينة، فتأملوه فماذا هو ورش غلام عثمان، فقرروه، فأقر وأظهر كتابأ إلى ابن أبي سرح صاحب مصر وفيه إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان، واقتل فلانا، وافعل بفلان كذا، واحصى كثر من في الجيش، وأمر فيهم بما أمر وعلم القوم أن الكتاب بخط مروان، فرجعوا إلى المدينة، واتفق رأيهم ورأي من قدم من العراق، ونزلوا المسجد وتكلموا، وذكروا ما نزل بهم من عمالهم، ورجعوا إلى عثمان فحاصروه في داره، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس وقال: ألا أحد يسقينا؟ وقال: بم تستحلون قتلي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم آمري مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " ؟ والله ما فعلت ذلك في جاهلية أو إسلام، فبلغ عليا طلبه للماء، فبعث إليه بثلاث قرب ماء، فما وصل إليه ذلك حتى خرج جماعة من موالي بني هاشم وبني أمية، وارتفع الصوت، وكثر الضجيج، وأحدقوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان، فأبى أن يخلي عنه، وفي الناس بنو زهرة لأجل عبد الله بن مسعود لأنه كان من أحلافها، وهذيل لأنه كان منها، وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغفار وأحلافها لأجل أبي ذر، وتيم بن مرة مع محمد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممن لا يحمل كتابنا ذكره، فلما بلغ عليا أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمدا، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم إقتداء بمن ذكرنا، فصدوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجرح الحسن، وشبئ قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهله؛ ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال : يا محمد، والله لو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجده قد فاضت نفسه رضي الله عنه، فبكوا، فبلغ ذلك عليا وطلحة والزبير وسعدا وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل علي الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب. ولطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، فقال له طلحة: لا تضرب أبا الحسن، ولا تشتم، ولا تلعن، لو دفع إليهم مروان ما قتل، وهرب مروان وغيره من بني أمية، وطلبوا ليقتلوا فلم يوجدوا، وقال على لزوجته نائلة بنت الفراقصة: من قتله وأنت كنت معه؟ قالت: دخل إليه رجلان وقصت خبر محمد بن أبي بكر، فلم ينكر ما قالت، وقال: والله لقد دخلت عليه وأنا أريد قتله، فلما خاطبني بما قال خرجت، ولا أعلم بتخلف الرجلين عني، والله ما كان لي في قتله من سبب، ولقد قتل وأنا لا أعلم بقتله.
وكانت مدة ما حوصر عثمان في داره تسعا وأربعين يوما، وقيل: أكثر من ذلك.
مقتله، وقتلته
Page 311