259
فظلَّ يطعنها شزرًا بمنعولهِ ... إذا أصابَ بروقٍ ضاريًا قتلا
كأنهنَّ وقدْ سربلنَ منْ علقٍ ... يغشينَ موقدَ نارٍ تقذفُ الشعلا
إذا أتاهنَّ مكلومٌ عكفنَ بهِ ... عكفَ الفوارِسِ هابوا الدارعَ البطلا
حتى تناهينَ عنهُ سامياُ حرجًا ... وما هدى هدي مهزومٍ وما نكلا
وقد تبيتُ همومُ النفسِ تبعثنِي ... منها نوافذُ حتى أعملَ الجملا
إذْ لا تجهمني أرضُ العدوِّ ولا ... عسفُ البلادِ إذا حرباؤها جذلا
يظلُّ مرتبئًا للشمسِ تصهرُهُ ... إذا رأى الشمسَ مالتْ جانبًا عدلا
كأنهُ حينَ يمتدُّ النهارُ لهُ ... إذا استقلَّ يمانٍ يقرأُ الطولا
وقد لبستُ لهذا الدهرِ أعصرَهُ ... حتى تجلل رأسي الشيبُ واشتعلا
من كلِّ مضلعةٍ لولا أخو ثقةٍ ... ما أصبحتْ أممًا عندِي ولا جللا
وقدْ أكونُ عميدَ الشربِ تسمعنا ... بحاءُ تسمعُ في ترجيعها صحلا
منَ القيانِ هتوفٌ طالَ ما ركدتْ ... لفتيةٍ يشتهونَ اللهوَ والغزَلا
فبانَ منيْ شبابيْ بعدَ لذتهِ ... كأنما كانَ ضيفًا نازلًا رحلا
إذْ لا أطاوِعُ أمرَ العاذلاتِ ولا ... أبقِي على المالِ إنْ ذوَْ حاجةٍ سألا
وكاشحٍ معرضٍ عني عدلتُ لهُ ... وقد أبينُ منهُ الضغنَ والمللا
ولوْ أواجههُ مني بقارعةٍ ... ما كان كالذئبِ مغبوطًا بما أكلا
وموجعٍ كانَ ذا قربى فجعتُ بهِ ... يومًا وأصبحتُ أرجو بعدهُ الأملا
وبينما المرءُ مغبوطًا بعيشتهِ ... إذ خانهُ الدهرُ عما كانَ فانتقلا
ولا أرى الموتَ يأتي من يحمُّ لهُ ... إلا كفاهُ ولاقى عندهُ شغلا
دعِ المغمرَ لا تسألْ بمصرعهِ ... واسألْ بمصقلَةَ البكرِيِّ ما فعلا
بمتلفٍ ومفيدٍ لا يمنُّ ولا ... تهلكُهُ النفسُ فيما فاتهُ عذلا
جزلُ العطاءِ وأقوامٌ إذا سئلوا ... يعطونَ نزرًا كما تستوكفُ الوشلا
وفارسٍ غيرِ وقافٍ برايتهِ ... يومَ الكريهةِ حتى يعملَ الأسلا
ضخمٍ تعلقُ أشناقُ الدياتِ بهِ ... إذا المئونَ أمرَّتْ فوقهُ حملا
ولو تكلفَها رخوٌ مفاصلُهُ ... أو شيقُ الباعِ عنْ أمثالها سعلا
ولوْ فككتَ عنِ الأسرَى وثاقَهُمُ ... وليسَ يرجونَ تلجاءً ولا دخلا
وقد تنقذتهمْ من قعرِ مظلمةٍ ... إذا الجبانُ رأى أمثالها زحلا
فهم فداؤكَ إذ يبكونَ كلهمُ ... ولا يرونَ لهمْ جاهًا ولا نفلا
ما في معدٍّ فتى تغنِي رباعتهُ ... إذا يهمُّ بأمرٍ صالحٍ فعلا
الواهبُ المائةَ الجرجورُ سائقُها ... تنزو يرابيعُ متنيهِ إذا انتقلا
إنَّ ريبعةَ لنْ تنفكَّ صالحةً ... ما أخرَ اللهُ عنْ حوبائكَ الأجلا
أغرّ لا تحسِبُ الدنيا مخلدةً ... ولا يقولُ لشيءٍ فاتَ ما فعلا
وقال الأخطل يمدح قريش، ويخص بها آل أبي سفيان بن حربٍ: البسيط
تغيرَ الرسمُ منْ سلمَى بأحفارِ ... وأقفرتْ منْ سليمَى دمنةُ الدارِ
وقدْ تكونُ بها سلْمَى تحدثنِي ... تساقطَ الحلْي حاجاتِي وأسرارِي
ثمَّ استمرَ بسلمَى نيةٌ قذفٌ ... وسيرُ منقضبِ الأقرانِ مغيارِ
كأنَّ قلبِي غداةَ البينِ مقتسمٌ ... طارَتْ بهِ شعبٌ شتى لأمصارِ
وقدْ تلفُّ النوى منْ قدْ تشوفهُ ... إذا قضيتُ لباناتِي وأوطاري
ظلتْ ظباءُ بني البكاءِ ترصدهُ ... حتى اقتنصنَ على بعدٍ وإضرارِ
ومهمهٍ طامسٍ تخشى غوائلُهُ ... قطعتهُ بكلوءِ العينِ مسهارِ
بحرةٍ كأتانِ الضحلِ أضمرها ... بعدَ الربالةِ ترحالِي وتسياري
أختُ الفلاةِ إذا شدتْ معاقدها ... زلتْ قوى النسعِ عنْ كبداءَ مسفارِ
كأنها برجُ رومِيٍّ يشيدُهُ ... أزرٌ يخصُّ بآجرٍّ وأحجارِ
أو مقفرٌ خاضبُ الأظلافِ قادَ لهُ ... غيثٌ تظاهَر في ميثاءَ مذكارِ
فباتَ في جنبِ أرطاةٍ تكفئُهُ ... ريحٌ شآميةٌ هبتْ بأمطارِ
يجولُ ليلتهُ والعينُ تضربهُ ... منها بغيثٍ أجشِّ الرعدِ نثارِ
إذا أرادَ بها التغميضَ أرقهُ ... سيلٌ يدبُّ بهدمِ الترْبِ موارِ

1 / 259