393

Al-mukhtaṣar min kitāb al-siyāq li-taʾrīkh Naysābūr

المختصر من كتاب السياق لتأريخ نيسابور

~~العربية، عن العاملة.

وتفكر فى العاقبة، وما يجدى وما ينفع فى الآخرة، فابتدأ بصحبة الفارمذى،

~~وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه، من القيام بوظائف

~~العبادات، والإمعان فى النوافل، واستدامة الأذكار، والجد، والاجتهاد، طلبا

~~للنجاة، إلى أن جاز تلك العقبات، وتكلف تلك المشاق، وما تحصل على ما كان

~~يطلبه من مقصوده.

ثم حكى أنه راجع العلوم، وخاض فى الفنون، وعاود الجد والاجتهاد، فى كتب

~~العلوم الدقيقة، والتقى بأربابها، حتى انفتح له أبوابها، وبقى مدة فى

~~الوقائع، وتكافى الأدلة، وأطراف المسائل.

ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف، بحيث شغله عن كل شيء، وحمله على

~~الإعراض عما سواه، حتى سهل ذلك.

وهكذا، هكذا، إلى أن ارتاض كل الرياضة، وظهرت له الحقائق، وصار ما كنا

~~نطن به ناموسا، وتخلقا، طبعا وتحققا، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من

~~الله تعالى. ثم سألناه عن كيفية فى الخروج من بيته، والرجوع إلى مادعى من

~~أمر نيسابور؟

فقال، معتذرا عنه: ما كنت أجوز فى دينى أن أقف عن الدعوة، ومنفعة

~~الطالبين بالإفادة، وقد حق على أن أبوح بالحق وأنطق به، وأدعو إليه. وكان

~~صادقا فى ذلك. ثم ترك ذلك قبل أن يترك، وعاد إلى بيته، واتخذ فى جواره

~~مدرسة لطلبة العلم، وخانقاه للصوفية.

وكان قد وزع أوقاته، على وظائف الحاضرين؛ من ختم القرآن، ومجالسة أهل

~~القلوب، والقعود للتدريس، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته، ولحظات من معه عن

~~فائدة؛ إلى أن أصابه عين الزمان، وضنت الأيام به على أهل عصره، فنقله الله

~~إلى كريم جواره، بعد مقاساة أنواع من القصد، والمناوأة من الخصوم، والسعى

~~به إلى الملوك، وكفاية الله به، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدى النكبات،

~~أوينهتك ستر دينه بشيء من الزلات.

وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومجالسة

~~أهله، ومطالعة الصحيحين البخارى ومسلم اللذين هما حجة الإسلام، ولو عاش

~~لسبق الكل فى ذلك الفن، بيسير من الأيام يستفرغه فى تحصيله.

ولا شك أنه سمع الأحاديث فى الأيام الماضية، واشتغل فى آخر عمره بسماعها،

~~ولم تتفق له الرواية، ولا ضرر فيما خلفه من الكتب المصنفة فى الأصول،

~~والفروع، وسائر الأنواع تخلد ذكره، و

Page 448