391

Al-mukhtaṣar min kitāb al-siyāq li-taʾrīkh Naysābūr

المختصر من كتاب السياق لتأريخ نيسابور

~~إلى الغزالى سرا؛ لإنافته عليه فى سرعة العبارة، وقوة الطبع، ولا يطيب له

~~تصديه للتصانيف، وإن كان متخرجا به، منتسبا إليه، كمالا يخفى من طبع البشر،

~~ولكنه يظهر التبجج به، والاعتداد بمكانه، ظاهرا خلاف ما يضمره.

ثم بقى كذلك إلى انقضاء أيام الإمام، فخرج من نيسابور، وصار إلى العسكر،

~~واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول، وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته، وظهور

~~اسمه، وحسن مناظرته وجرى عبارته.

وكانت تلك الحضرة محط رحال العلماء، ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقعت

~~للغزالى اتفاقات حسنة من الاحتكاك بالأئمة، وملاقاة الحصوم اللد، ومناظرة

~~الفحول، ومنافرة الكبار.

وظهر اسمه فى الآفاق، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق، حتى أدت الحال به إلى

~~أن رسم للمصير إلى بغداد، للقيام بتدريس المدرسة الميمونة النظامية بها،

~~فصار إليها، وأعجب الكل بتدريسه، ومناظرته، وما لقى مثل نفسه، وصار بعد

~~إمامة خراسان إمام العراق.

ثم نظر فى علم الأصول، وكان قد أحكمها، فصنف فيه تصانيف.

وجدد المذهب فى الفقه، فصنف فيه تصانيف. وسبك الخلاف، فحرر فيه أيضا

~~تصانيف.

وعلت حشمته ودرجته فى بغداد، حتى كانت تغلب حشمة الأكابر، والأمراء، ودار

~~الخلافة.

فانقلب الأمر من وجه آخر، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة، وممارسة

~~الكتب المصنفة فيها، وسلك طريق التزهد والتأله، وترك الحشمة، وطرح ما نال

~~من الدرجة، والاشتغال بأسباب التقوى، وزاد الآخرة.

فخرج عما كان فيه، وقصد بيت الله، وحج. ثم دخل الشام وأقام فى تلك الديار

~~قريبا من عشر سنين، يطوف، ويزور الشاهد المعظمة.

وأخذ فى التصانيف المشهورة، التى لم يسبق إليها، مثل: إحياء علوم الدين

~~والكتب المختصرة منها، مثل الأربعين وغيرها من الرسائل، التى من تأملها علم

~~محل الرجل من فنون العلم.

وأخذ فى مجاهدة النفس، وتغيير الأخلاق، وتحسين الشمائل، وتهذيب المعاش،

~~فانقلب شيطان الرعونة، وطلب الرياسة والجاه، والتخلق بالأخلاق الذميمة، إلى

~~سكون النفس، وكرم الأخلاق، والفراغ عن الرسوم والترتيبات، والتزيى يزى

~~الصالحين، وقصر الأمل، ووقف الأوقات على هداية الخلق، ودعائهم إلى ما

~~يعنيهم من أمر الآخرة، وتبغيض الدنيا، والاشتغال

Page 446