286

Mukhtaṣar al-Ṣawāʿiq al-Mursala ʿalā al-Jahmiyya waʾl-Muʿaṭṭila

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

Editor

سيد إبراهيم

Publisher

دار الحديث

Edition Number

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

القاهرة - مصر

Genres

الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، فَالْمَصَادِرُ لَا حَظَّ لَهَا فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ (إِلَّا إِذَا تَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهَا) وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مُتَعَلِّقَاتُهُمَا وَمَحَالُّهُمَا فَحَقِيقَتُهُمَا غَيْرُ مُتَعَدِّدَةٍ، فَتَعَدُّدُ الْمَحَالِّ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَ الصِّفَةِ، وَقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ جَمْعَ الْعِلْمِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ تَعَدُّدَ الْمَعْلُومَاتِ فَتَبَيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا الْفَرْقِ الَّذِي اعْتَمَدْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: تَفْرِيقُكُمْ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِالْتِزَامِ التَّقْيِيدِ فِي أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ كَجَنَاحِ الذُّلِّ وَنَارِ الْحَرْبِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُمَا إِلَّا مُقَيَّدَةً، وَهَذَا الْفَرْقُ مِنْ أَفْسَدِ الْفُرُوقِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَمْ تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهَا قَدِ الْتَزَمُوا تَقْيِيدَهَا كَالرَّأْسِ وَالْجَنَاحِ وَالْيَدِ وَالسَّاقِ وَالْقَدَمِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَأَمْثَالَهَا إِلَّا مُقَيِّدَةً بِمَحَالِّهَا وَمَا تُضَافُ إِلَيْهِ، كَرَأْسِ الْحَيَوَانِ وَرَأْسِ الْمَاءِ وَرَأْسِ الْمَالِ وَرَأْسِ الْأَمْرِ.
وَكَذَلِكَ الْجَنَاحُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ إِلَّا مُقَيَّدًا بِمَا يُضَافُ إِلَيْهِ، كَجَنَاحِ الطَّائِرِ وَجَنَاحِ الذُّلِّ، فَإِنْ أَخَذْتُمُ الْجَنَاحَ مُطْلَقًا مُجَرَّدًا عَنِ الْإِضَافَةِ لَمْ يَكُنْ مُقَيِّدًا لِمَعْنَاهُ الْإِفْرَادِيِّ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَإِنِ اعْتَبَرْتُمُوهُ مُضَافًا مُقَيَّدًا فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ حَقِيقَةً فِي مُضَافٍ، مَجَازًا فِي مُضَافٍ آخَرَ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى هَذَا الْمُضَافِ كَنِسْبَةِ الْآخَرِ إِلَى الْمُضَافِ الْآخَرِ، فَجَنَاحُ الْمَلَكِ حَقِيقَةٌ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] فَمَنْ قَالَ: لَيْسَ لِلْمَلَكِ جَنَاحٌ حَقِيقَةً فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ نَافٍ لِمَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ جَنَاحٌ مِنْ رِيشٍ، قِيلَ لَهُ: مِنْ جَهْلِكَ اعْتِقَادُكَ أَنَّ الْجَنَاحَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ ذُو الرِّيشِ وَمَا عَدَاهُ مَجَازٌ، لِأَنَّكَ لَمْ تَأْلَفْ إِلَّا الْجَنَاحَ الرِّيشَ.
وَطَرْدُ هَذَا الْجَهْلِ الْعَظِيمِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ لَفْظٍ أُطْلِقَ عَلَى الْمَلَكِ وَعَلَى الْبَشَرِ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي حَقِّ الْمَلَكِ كَحَيَاتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَكَلَامِهِ، فَكَيْفَ بِمَا أُطْلِقَ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ مِنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَى وَالْإِرَادَةِ، فَإِنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْمَعْهُودَ فِي الْمَخْلُوقِ، وَلِهَذَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ إِنَّهَا مَجَازَاتٌ فِي حَقِّ الرَّبِّ لَا حَقَائِقَ لَهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَدَانَا عَلَى تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي الْمَجَازِ، فَإِنَّ أَرْبَابَهُ لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ ضَابِطٌ مُطَّرِدٌ وَلَا مُنْعَكِسٌ، وَهُمْ مُتَنَاقِضُونَ غَايَةَ التَّنَاقُضِ، خَارِجُونَ عَنِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَحُكْمِ الْعَقْلِ إِلَى اصْطِلَاحٍ فَاسِدٍ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَهَذِهِ فُرُوقُهُمْ قَدْ رَأَيْتُ حَالَهَا وَتَبَيَّنْتُ مُحَالَهَا، يُوَضِّحُهُ:

1 / 303