99

(ينبغى للمتكلم) شاعرا كان أو كاتبا (ان يتأنق) أي يتبع الانق والاحسن يقال تأنق في الروضة إذا وقع فيها متتبعا لما يونقه أي يعجبه (في ثلاثة مواضع من كلامه حتى تكون) تلك المواضع الثلاثة اعذب لفظا) بان تكون في غاية البعد عن التنافر والثقل (واحسن سبكا) بان تكون في غاية البعد عن التعقيد والتقديم والتأخير الملبس وان تكون الالفاظ متقاربة في الجزلة والمتانة والرقة والسلاسة وتكون المعاني مناسبة لا لفظها من غير ان تكتسي اللفظ الشريف المعنى السخيف أو على العكس بل يصاغان صياغة تناسب وتلاؤم (واصح معنى) بان يسلم من التناقض والامتناع والابتذال ومخالفة العرف ونحو ذلك. (احدها الابتداء) لانه اول ما يقرع السمع فان كان عذبا حسن السبك صحيح المعنى اقبل السامع على الكلام فوعى جميعه والا عرض عنه وان كان الباقي في غاية الحسن فالابتداء الحسن في تذكار الاحبة والمنازل (كقوله قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل) السقط منقطع الرمل حيث يدقه واللوى رمل معوج ملتوى والدخول وحومل موضعان والمعنى بين اجزاء الدخول (و) في وصف الدال (كقوله: قصر عليه تحية وسلام * خلعت عليه جمالها الايام) خلع عليه أي نزع ثوبه وطرحه عليه. (و) ينبغى (ان يجتنب في المديح مما يتظير به) أي يتشأم به (كقوله موعدا حبابك بالفرقة غد)، مطلع قصيدة لابن مقاتل الضرير أنشدها للداعى العلوى فقال له الداعي موعد أحبابك يا اعمى ولك المثل السوء (واحسنه) أي أحسن الابتدا (ما ناسب المقصود) بأن يشتمل على إشارة إلى ما سبق الكلام لاجله، (ويسمى) كون الابتداء مناسبا للمقصود (براعة الاستهلال) من برع الرجل: إذا فاق أصحابه في العلم أو غيره (كقوله في التهنئة: بشرى فقد أنجز الاقبال ما وعدا) وكوكب المجد في افق العلى صعدا مطلع قصيدة لابي محمد الخازن يهنئ الصاحب بولد لا بنته. (وقوله في المرثية هي الدنيا تقول بملء فيها حذار حذار) أي احذر (من بطشي) أي أخذي الشديد (وفتكي) أي قتلي فجأة مطلع قصيدة لابي الفرج الساوي يرثي فخر الدولة (وثانيها) أي ثاني المواضع التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها (التخلص) أي الخروج (مما شبب الكلام به) أي ابتدأ وافتتح قال الامام الواحدي رحمه الله معنى التشبيب ذكر أيام الشباب واللهو والغزل وذلك يكون في ابتداء قصائد الشعر فسمى ابتداء كل امر تشبيبا وان لم يكن في ذكر الشباب (من تشبيب) إلى وصف للجمال (وغيره) كالادب والافتخار والشكاية وغير ذلك (إلى المقصود مع رعاية الملائمة بينهما) أي بين ما شبب به الكلام وبين المقصود واحترز بهذا عن الاقتضاب وأراد بقوله التخلص معناه اللغوي وإلا فالتخلص في العرف هو الانتقال مما افتتح به الكلام إلى المقصود مع رعاية المناسبة. وإنما ينبغي أن يتأنق في التخلص لان السامع يكون مترقبا الانتقال من الافتتاح إلى المقصود كيف يكون، فان كان حسنا متلائم الطرفين حرك من نشاطه وأعان على اصغاء ما بعده وإلا فبالعكس فالتخلص الحسن. (كقوله يقول في قومس) اسم موضع قومي وقد اخذت منا السرى أي اثر فينا السير بالليل ونقص من قوانا (وخطى المهرية) عطف على السرى لا على المجرور في منا كما سبق إلى بعض الاوهام وهي جمع خطوة وأراد بالمهرية الابل المنسوبة إلى مهر ابن حيدان أبي قبيلة (القود) أي الطويلة الظهور والاعناق جمع اقود اي اثرت فينا مزاولة السرى ومسايرة المطايا بالخطى ومفعول يقول هو قوله (امطلع الشمس تبغى) أي تطلب (ان تؤم) أي تقصد (بنا فقلت كلا) ردع للقوم وتنبيه (ولكن مطلع الجود وقد ينتقل منه) أو مما شبب به الكلام (إلى ما لا يلائمه ويسمى) ذلك الانتقال (الاقتضاب) وهو في اللغة الاقتطاع والارتجال (وهو) أي الاقتضاب (مذهب العرب الجاهلية ومن يليهم من المخضرمين) بالخاء والضاد المعجمتين أي الذين أدركوا الجاهلية والاسلام مثل لبيد. قال في الاساس ناقة مخضرمة أي جذع نصف اذنها ومنه المخضرم الذي أدرك الجاهلية والاسلام كأنما قطع نصفه حيث كان في الجاهلية (كقوله لو رأى الله ان في الشيب خيرا، جاورته الابرار في الخلد شيبا) جمع أشيب وهو حال من الابرار، ثم انتقل من هذا الكلام إلى ما لا يلائمه فقال: (كل يوم تبدى) أي تظهر (صروف الليالى، خلقا من أبى سعيد غريبا) ثم كون الاقتضاب مذهب العرب والمخضرمين أي دأبهم وطريقتهم لا ينافي أن يسلكه الاسلاميون ويتبعونهم في ذلك فان البيتين المذكورين لابي تمام وهو من الشعراء الاسلامية في الدولة العباسية، وهذا المعنى مع وضوحه قد خفى على بعضهم حتى اعترض على المصنف بأن أبا تمام لم يدرك الجاهلية فكيف يكون من المخضرمين. (ومنه) أي من الاقتضاب (ما يقرب من التخلص) في أنه يشوبه شيء من المناسبة (كقولك بعد حمد الله اما بعد) فانه كان كذا وكذا فهو اقتضاب من جهة الانتقال من الحمد والثناء إلى كلام آخر من غير رعاية ملائمة بينهما لكنه يشبه التخلص حيث لم يأت بالكلام الآخر فجأة من غير قصد إلى ارتباط وتعليق بما قبله بل قصد نوع من الربط على معنى مهما يكون من شيء بعد الحمد والثناء فانه كان كذا وكذا (قيل وهو) أي قولهم بعد حمدالله أما بعد. هو (فصل الخطاب) قال ابن الاثير والذي اجمع عليه المحققون من علماء البيان ان فصل الخطاب هو اما بعد لان المتكلم يفتتح كلامه في كل امر ذي شأن بذكر الله وتحميده فإذا أراد أن يخرج منه إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله اما بعد، وقيل فصل الخطاب معناه الفاصل من الخطاب أي الذي يفصل بين الحق والباطل على أن المصدر بمعنى الفاعل، وقيل المفصول من الخطاب وهو الذي يتبينه من يخاطب به أي يعمله بينا لا يلتبس عليه فهو بمعنى المفعول. (وكقوله) تعالى عطف على قوله كقولك بعد حمد الله يعنى من الاقتضاب القريب من التخلص ما يكون بلفظ هذا كما في قوله تعلى بعد ذكر اهل الجنة (هذا وان للطاغين لشر مآب) فهو اقتضاب فيه نوع مناسبة وارتباط لان الواو للحال ولفظ هذا اما خبر مبتدا محذوف (أي الامر هذا) والحال كذا (أو) مبتدأ محذوف الخبر أي (هذا كما ذكر) وقد يكون الخبر مذكورا (مثل قوله تعالى) بعد ما ذكر جمعا من الانبياء عليهم السلام وأراد أن يذكر بعد ذالك الجنة واهلها (هذا ذكر وان للمتقين لحسن مآب) باثبات الخبر اعني قوله ذكر وهذا مشعر بأنه في مثل قوله تعالى هذا وان للطاغين مبتدأ محذوف الخبر، قال ابن الاثير لفظ هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو احسن من الوصل وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر، (ومنه) أي من الاقتضاب القريب من التخلص (قول الكاتب) هو مقابل للشاعر عند الانتقال من حديث إلى آخر (هذا باب) فان فيه نوع ارتباط حيث لم يبتدئ الحديث الآخر بغتة. (وثالثها) أي ثالث المواضع التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها (الانتهاء) لانه آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس فان كان حسنا مختارا تلقاء السمع واستلذه حتى جبر ما وقع فيما سبقه من التقصير وإلا لكان على العكس حتى ربما أنساه المحاسن الموردة فيما سبق فالانتهاء الحسن (كقوله وانى جدير) أي خليق (إذ بلغتك بالمنى) أي جدير بالفوز بالاماني (وانت بما املت منك جدير، فان تولني) اي تعطني (منك الجميل فاهله) أي فأنت أهل لاعطاء ذلك الجميل (والا فاني عاذر) اياك عما صدر عنى من الابرام (وشكور) لما صدر عنك من الاصغاء إلى المديح أو من العطايا السالفة. (واحسنه) أي أحسن الانتهاء (ما اذن بانتهاء الكلام) حتى لا يبقى للنفس تشوق إلى ما وراءة (كقوله بقيت بقاء الدهر يا كهف اهله، وهذا دعاء للبرية شامل) لان بقاءك سبب لنظام امرهم وصلاح حالهم، وهذه المواضع الثلاثة مما يبالغ المتأخرون في التأنق فيها واما المتقدمون فقد قلت عنايتهم بذلك (وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن الوجوه وأكملها) من البلاغة لما فيها من التفنن وأنواع الاشارة وكونها بين أدعية ووصايا ومواعظ وتحميدات وغير ذلك مما وقع موقعه وأصاب نحره بحيث تقصر عن كنه وصفه العبارة وكيف لا وكلام الله سبحانه وتعالى في الرتبة العليا من البلاغة والغاية القصوى من الفصاحة، ولما كان هذا المعنى مما قد يخفى على بعض الاذهان لما في بعض الفواتح والخواتم من ذكر الاهوال والافزاع وأحوال الكفار وأمثال ذلك اشار إلى إزالة هذا الخفاء بقوله (يظهر ذلك بالتامع مع التذكر لما تقدم) من الاصول والقواعد المذكورة في الفنون الثلاثة التي لا يمكن الاطلاع على تفاصيلها وتفاريقها الا لعلام الغيوب فانه يظهر بتذكرها ان كلا من ذلك وقع موقعه بالنظر إلى مقتضيات الاحوال وان كلا من السور بالنسبة إلى المعنى الذي يتضمنه مشتملة على لطف الفاتحة ومنطوية على حسن الخاتمة ختم الله تعالى لنا بالحسن ويسر لنا الفوز بالذخر الاسنى بحق النبي وآله الاكرمين والحمد لله رب العالمين.

Page 319