87

وجعل السكاكى الاولى منهما اعني ما هي معنى واحد قريبة بمعنى سهولة المأخوذ والانتقال فيها لبساطتها واستغنائها عن ضم لازم إلى آخر وتلفيق بينهما والثانية بعيدة بخلاف ذلك وهذه غير البعيدة بالمعنى الذى سيجئ. (الثانية) من اقسام الكناية (المطلوب بها صفة) من الصفات كالجود والكرم ونحو ذلك وهى ضربان قريبة وبعيدة (فان لم يكن الانتقال) من الكناية إلى المطلوب بواسطة قريبة والقريبة قسمان (واضحة) يحصل الانتقال منها بسهولة (كقولهم كناية عن طول القامة طويل نجاده وطويل النجاد والاولى) أي طويل نجاده كناية (ساذجة) لا يشوبها شئ من التصريح (وفى الثانية) أي طويل النجاد (تصريح ما لتضمن الصفة) أي طويل (الضمير) الراجع إلى الموصوف ضرورة احتياجها إلى مرفوع مسند إليه فيشتمل على نوع تصريح بثبوت الطول له. والدليل على تضمنه الضمير انك تقول هند طويلة النجاد والزيدان طويلا النجاد والزيدون طوال النجاد فتؤنث وتثنى وتجمع الصفة البتة لاسنادها إلى ضمير الموصوف بخلاف هند طويل نجادها والزيدان طويل نجادهما والزيدون طويل نجادهم. وانما جعلنا الصفة المضافة كناية مشتملة على نوع تصريح ولم نجعلها تصريحا للقطع بان الصفة في المعنى صفة للمضاف إليه واعتبار الضمير رعاية لامر لفظي وهو امتناع خلو الصفة عن معمول مرفوع بها (أو خفية) عطف على واضحة. وخفاؤها بان يتوقف الانتقال منها على تأمل واعمال روية (كقولهم كناية عن الابله عريض القفاء) فان عرض القفاء وعظم الرأس بالافراط مما يستدل به على البلاهة فهو ملزوم لها بحسب الاعتقاد. لكن في الانتقال منه إلى البلاهة نوع خفاء لا يطلع عليه كل احد. وليس الخفاء بسبب كثرة الوسائط والانتقالات حتى يكون بعيدة (وان كان الانتقال) من الكناية إلى المطلوب بها (بواسطة فبعيدة كقولهم كثير الرماد كناية عن المضياف فانه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة احراق الحطب تحت القدر ومنها) أي ومن كثرة الاحراق (إلى كثرة الطبائح ومنها إلى كثرة الاكلة) جمع آكل (ومنها إلى كثرة الضيفان) بكسر الضاد جمع ضيف (ومنها إلى المقصود) وهو المضياف وبحسب قلة الوسائط وكثرتها تختلف الدلالة على المقصود وضوحا وخفاء. (الثالثة) من اقسام الكناية (المطلوب بها نسبة) أي اثبات امر لاخر أو نفيه عنه وهو المراد بالاختصاص في هذا المقام (كقوله ان السماحة والمرؤة) هي كمال الرجولية (والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج. فانه اراد ان يثبت اختصاص ابن الحشرج بهذه الصفات) أي ثبوتها له (فترك التصريح) باختصاصه بها (بان يقول انه مختص بها أو نحوه) مجرور عطفا على ان يقول أو منصوب عطفا على انه مختص بها مثل ان يقول ثبتت سماحة ابن الحشرج أو حصلت السماحة له، أو ابن الحشرج سمح، كذا في المفتاح. وبه يعرف ان ليس المراد بالاختصاص ههنا الحصر (إلى الكناية) أي ترك التصريح ومال إلى الكناية (بان جعلها) أي تلك الصفات (في قبة) تنبيها على ان محها ذو قبة وهى تكون فوق الخيمة يتخذها الرؤساء (مضروبة عليه) أي على ابن الحشرج فافاد اثبات الصفات المذكورة له لانه إذا اثبت الامر في مكان الرجل وحيزه فقد اثبت له (ونحوه) أي مثل البيت المذكور في كون الكناية لنسبة الصفة إلى الموصوف بان تجعل فيما يحيط به ويشتمل عليه (قولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه) حيث لم يصرح بثبوت المجد والكرم له بل كنى عن ذلك بكونهما بين برديه وبين ثوبيه. فان قلت ههنا قسم رابع وهو ان يكون المطلوب بها صفة ونسبة معا كقولنا كثير الرماد في ساحة زيد. قلت ليس هذا كناية واحدة بل كنايتان احدهما المطلوب بها نفس الصفة وهى كثرة الرماد كناية عن المضيافية والثانية المطلوب بها نسبة المضيافية إلى زيد وهو جعلها في ساحة ليفيد اثباتها له (والموصوف في هذين القسمين) يعنى الثاني والثالث (قد يكون) مذكورا كما مر (و) قد يكون (غير مذكور كما يقال في عرض من يؤذى المسلمين المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فانه كناية عن نفى صفة الاسلام عن المؤذى وهو غير مذكور في الكلام. واما القسم الاول وهو ما يكون المطلوب بالكناية نفس الصفة وتكون النسبة مصرحا بها فلا يخفى ان الموصوف فيها يكون مذكورا لا محالة لفظا أو تقديرا. وقوله في عرض من يؤذى معناه في التعريض به يقال نظرت إليه من عرض بالضم أي من جانب وناحية. قال (السكاكى الكناية تتفاوت إلى تعريض وتلويح ورمز وايماء واشارة) وانما قال تتفاوت ولم يقال تنقسم لان التعريض وامثاله مما ذكر ليس من اقسام الكناية فقط بل هو اعم كذا في شرح المفتاح. وفيه نظر والاقرب انه انما قال ذلك لان هذه الاقسام قد تتداخل ويختلف باختلاف الاعتبارات من الوضوح والخفاء وقلة الوسائط وكثرتها (والمناسب للعريضة التعريض) أي الكناية إذا كانت عرضية مسوقة لاجل موصوف غير مذكور كان المناسب ان يطلق عليها اسم التعريض لانه امالة الكلام إلى عرض يدل على المقصود يقال عرضت لفلان وبفلان إذا قلت قولا لغيره وانت تعنيه فكأنك اشرت به إلى جانب وتريذ به جانبا آخر (و) المناسب (لغيرها) أي لغير العرضية (ان كثرت الوسائط) بين اللازم والملزوم كما في كثير الرماد وجبان الكلب ومهزول الفصيل (التلويح) لان التلويح هو ان تشير إلى غيرك من بعيد. (و) المناسب لغيرها (ان قلت) الوسائط (مع خفاء) في الملزوم كعريض القفاء وعريض الوسادة (الرمز) لان الرمز هوان تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية لان حقيقته الاشارة بالشفة أو الحاجب (و) المناسب لغيرها ان قلت الوسائط (بلا خفاء) كما في قوله أو ما رأيت المجد القى رحله في آل طلحة ثم لم يتحول (الايماء والاشارة. ثم قال) السكاكى (والتعريض قد يكون مجازا كقولك آذيتنى فستعرف وانت تريد) بتاء الخطاب (انسانا مع المخاطب دونه) أي لا تريد المخاطب ليكون اللفظ مستعملا في غير ما وضع له فقط فيكون مجازا (وان اردتهما) أي اردت المخاطب وانسانا آخر معه جميعا (كان كناية) لانك اردت باللفظ المعنى الاصلى وغيره معا والمجاز ينافى ارادة المعنى الاصلى (ولابد فيهما) أي في الصورتين (من قرينة) دالة على ان المراد في الصورة الاولى هو الانسان الذى مع المخاطب وحده ليكون مجازا وفى الثانية كلاهما جميعا ليكون كناية، وتحقيق ذلك ان قولك آذيتنى فستعرف كلام دال على تهديد المخاطب بسبب الايذاء ويلزم منه تهديد كل من صدر عنه الايذاء فان استعملته واردت به تهديد المخاطب وغيره من المؤذين كان كناية وان اردت به تهديد غير المخاطب بسبب الايذاء لعلاقة اشتراكه للمخاطب في الايذاء اما تحقيقا واما فرضا وتقديرا مع قرينة دالة على عدم ارادة المخاطب كان مجازا. / ص 263 / فصل اطبق البلغاء على ان المجاز والكناية ابلغ من الحقيقة والتصريح (لان الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم فهو كدعوى الشئ ببينة) فان وجود الملزوم يقتضى وجود اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن لازمه (و) اطبقوا ايضا على (ان الاستعارة ابلغ من التشبيه لانها نوع من المجاز) وقد علم ان المجاز ابلغ من الحقيقة. وليس معنى كون المجاز والكناية ابلغ ان شيءا منهما يوجب ان يحصل في الواقع زيادة في المعنى لا توجد في الحقيقة والتصريح بل المراد انه يفيد زيادة تأكيد للاثبات ويفهم من الاستعارة ان الوصف في المشبه بالغ حد الكمال كما في المشبه به وليس بقاصر فيه كما يفهم من التشبيه والمعنى لا يتغير حاله في نفسه بان يعبر عنه بعبارة ابلغ. وهذا مراد الشيخ عبد القاهر بقوله ليست مزية قولنا رأيت اسدا على قولنا رأيت رجلا هو والاسد سواء في الشجاعة ان الاول افاد زيادة في مساواته للاسد في الشجاعة لم يفدها الثاني بل الفضيلة وهى ان الاول افاد تأكيدا لاثبات تلك المساواة له لم يفده الثاني والله اعلم.

كمل القسم الثاني والحمد لله على جزيل نواله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله واصحابه اجمعين.

Page 262