وفي سنة 1771 تجمع المشايخ الحمادية، ودهموا الأمير بشير حيدر في العاقورة، وكان نائب الأمير يوسف ببلاد جبيل، وكان معه شيخا بشري وأهدن فدام القتال بينهم نهارا كاملا، فظهر الأمير عليهم وأبعدهم عن العاقورة، ثم حضر رجال الجبة لنجدته، فانهزم المتاولة بعيالهم من جبة المنيطرة ووادي علمات إلى الكورة، ولحقهم رجال جبة بشري، وأرسل الأمير يوسف الشيخ سعد الخوري، وأصحبه بعسكر مغاربة فأدرك المتاولة في دار بعشتار، فأغار عليهم بمن اجتمع إليه من أهل البلاد، فظفر بهم وظل يطردهم إلى القلمون، وأهلك منهم نحو مائة رجل.
وفي سنة 1772 سار الأمير يوسف بعسكر إلى الضنية لقتال المشايخ آل رعد لمحاماتهم عن الحمادية، ولما وصل إلى عفصديق في الكورة ورد له كتابه من والي أطرابلس يقول فيها: إن آل رعد لجئوا إليه والتمسوا تدخله في الصلح، فرجع الأمير من عفصديق وأمر بحرقها؛ لأن الأمير أحمد الكردي كان يميل إلى الحمادية.
وفي سنة 1773 كانت حرب بين عسكر والي دمشق، وعسكر الأمير بسبب أن الأمير سيد أحمد أخا الأمير يوسف كان عثمان باشا والي دمشق رخص بولايته على البقاع، فأقام بقلعة قب إلياس وأتى إليها بآلات حربية، وأخذ يسطو على مارة الطريق، ونهب قافلة لتجار دمشق فكتب الوزير للأمير أن يردع أخاه عن التعدي، وأن يرد ما سلبه من القافلة، فكتب الأمير إلى أخيه فلم يجب واعتذر الأمير للوزير عذرا لم يقبله، فنهض الوزير بعسكره إلى البقاع والتقاه الأمير إليها، فكانت بينهما وقعات لم يتم بها الظفر لأحدهما، فاستنجد الأمير يوسف بالشيخ ضاهر العمر والشيخ نصيف النصار، فأتياه بجيش وافر، ولما بلغ عثمان باشا قدومهم، ورأى قلق عسكره عاد إلى دمشق تاركا المدافع والخيام والذخر، فغنمها الأمير وأقام أخاه الأمير سيد أحمد في قلعة قب إلياس، وسلمه المدافع التي غنمها. وفي سنة 1774 سولت للأمير سيد أحمد نفسه أن يعصي أخاه الأمير يوسف، واستمال إليه بعض المخالفين لأخيه، فجمع الأمير يوسف عسكرا وحصره في قلعة قب إلياس وضيق عليه مانعا عنه الزاد والماء، فاستجار الأمير سيد أحمد بالشيخ علي جنبلاط، والشيخ كليب النكدي متعهدا أن يخرج من القلعة ويسلمها لأخيه، فأذعن الأمير يوسف لوساطة الشيخين المذكورين، وخرج الأمير سيد أحمد من القلعة بأصحابه وماله، وسار إلى الحدث فتوطنها، وسأل محمد باشا العظم الذي كان قد تولى دمشق أن يوليه البقاع، فأجابه إلى ذلك على شرط أن يرد على تجار دمشق ما سلبه من قافلتهم، فرده وأناب عنه أخاه الأمير قاسما في ولاية البقاع. وفي هذه السنة توفي الأمير منصور الشهابي الذي كان حاكما بلبنان، ودفن في جامع الأمير منذر التنوخي في بيروت. (4) في خروج الأمير علي بك المصري والشيخ ظاهر العمر في سورية
في أثناء الحرب بين الدولة العلية وروسيا أرسلت روسيا أسطولا إلى البحر المتوسط، وأثارت كثيرين من عمال الدولة عليها، وفي جملتهم علي بك المصري فحشد الجنود في مصر، وأرسلها بقيادة محمد بك المكنى أبا الذهب، فتوجه أولا إلى الحجاز فملك جدة ثم طرد الشريف من مكة، فاشتهر علي بسطوته وضربت السكة باسمه، وخلع عامل مصر وأقام عاملا آخر من قبله، وكان حينئذ واليا على عكا الشيخ ظاهر العمر، وأصله من المدينة أتى جده زيدان إلى صفد، وتولى على عكا أبوه عمر، وعند وفاته خلفه ابنه ظاهر، وكان متفقا مع المتاولة حكام صور وبلاد بشارة، ووقعت نفرة بينه وبين والي دمشق وحشد الوالي عليه عسكرا، فكتب ظاهر إلى علي بك المصري، وزين له الخروج على سورية، فجهز عشرة آلاف مقاتل وأرسلهم مع إسماعيل بك، وأمرهم أن يعتمدوا أمر ظاهر العمر، فأرسل ظاهر أولاده لملتقاهم إلى يافا، ثم حضروا إلى عكا وكان في نية ظاهر أن يضرب العسكر المصري والي دمشق الذي كان متوجها إلى الحج، فلم يشأ قائد العسكر ذلك وعاد بعسكره إلى يافا، وجهز علي بك عسكرا آخر أرسله مع أبي الذهب سنة 1770، وانضم ظاهر ورجاله إليه حتى صاروا نحو ستين ألفا، وخرج والي دمشق لقتالهم فلم يثبت إلا قليلا وخيم أبو الذهب على أسوار المدينة، فخرج أهل المدينة إليه مرحبين به فدخلها، واستقر في دار الوزارة وتسلم القلعة واستمال الشيخ ظاهر أبا الذهب إلى الأمير منصور شهاب، فأرسل الأمير إليه ثلاثة أفراس من جياد الخيل، أما عثمان باشا فتوجه بعد انهزامه إلى حمص، وأخذ يحشد الجنود حتى تألب عنده خلق كثير وأتى إسماعيل بك المذكور يغير فكر أبي الذهب ويخوفه من معاداة الدولة حتى جعله ينهض ليلا من دمشق بعساكره، فتعجب الناس من هذا التغير غير المنتظر.
ولما علم عثمان باشا والي دمشق برحيل أبي الذهب أسرع إلى دمشق، والتقاه الأمير يوسف شهاب الذي كان قد كلفه بإنجاده، فأكرمه الباشا وخلع عليه ومال إليه أعيان البلاد، فوجس منه الأمير منصور وتنزل له عن الولاية بحضرة أعيان البلاد، ولما وصل أبو الذهب إلى مصر تعجب الأمير علي بك، وسأله عن سبب رجوعه، فجعل السبب تحالف الشيخ ظاهر العمر وعشيرته عليه، ونسبهم إلى الخيانة، وكتب علي بك إلى الشيخ ظاهر يسأله عن ذلك، فأجابه ناكرا ما قال أبو الذهب وأرسل ابنه؛ ليكون رهينة على صدق قوله، ولم يلبث أبو الذهب أن أظهر العصيان على علي بك الذي أرسل إليه عسكرا أمر عليه إسماعيل بك المذكور، فاتفقا على علي بك وعادا بالجيش إلى القاهرة، ففر علي بك إلى عكا عند الشيخ ظاهر، وجلس أبو الذهب على تخت القاهرة.
وكتب علي بك والشيخ ظاهر إلى أمير الأسطول الروسي أن ينجدهما، فلبى دعوتهما، وكانت مغالبات بين عثمان باشا والشيخ ظاهر ونزيله علي بك، أفضت إلى فرار درويش باشا والي صيدا ابن عثمان باشا من ولايته، فأرسل الشيخ ظاهر أحمد أغا الدنكزلي فاستولى على صيدا، فصدر أمر الباب العالي بقتل ظاهر العمر وعلي بك، ومات عثمان باشا، وخلفه عثمان باشا المصري، وكتب إلى الأمير يوسف حاكم لبنان؛ ليجمع رجاله ليكونوا مع عسكر الدولة، وساروا جميعا إلى صيدا وحاصروها، وإذا بالأسطول الروسي قد أشرف على المدينة وشرع بإطلاق المدافع على العسكر العثماني ورجال لبنان، فتنحوا إلى حارة صيدا فخرج إليهم الشيخ ظاهر بعسكره فظفر بهم، وقفل العسكر العثماني إلى دمشق، وعاد الأمير برجاله إلى لبنان وسار الأسطول إلى بيروت، وشرع بإطلاق القنابل على أبراجها فهرب الأمراء الشهابيون منها، ودخلها الروسيون وانتهبوا كل ما وجدوا، وعادوا إلى مراكبهم، وسار الأمير يوسف برجاله إلى الحدث، وأرسل أمير الأسطول يطلب منه نفقة مراكبه ليتحول عن المدينة، فأرسل له خمسة وعشرين ألف قرش، وعاد إلى عكا وكان ذلك سنة 1771.
وفي سنة 1773 توجه الأمير علي بك، ومعه عساكر الشيخ ظاهر قاصدا الديار المصرية، فالتقاه أبو الذهب عند غزة فانكسر عسكر علي بك كسرة هائلة وجرح هو في وجهه جرحا بالغا، وسقط على الأرض فانكب عليه أبو الذهب وقبل يده، وحملوه إلى مصر ودسوا له سما في جرحه فمات وانقضى دوره.
وابتدأ دور أحمد الجزار، فهذا الرجل بشناقي الأصل، وأتى إلى مصر وارتكب جرائم وفر إلى الأمير يوسف شهاب سنة 1770، فأرسله إلى بيروت وجعل له نفقة من جمركها، ثم سار إلى دمشق وكان في عسكر عثمان باشا عند حصار صيدا على الدنكزلي، وأمر عثمان باشا الأمير يوسف أن يسلمه بيروت؛ ليحافظ عليها إذا طرقها الأسطول الروسي، فسلمه المدينة وشرع يحصنها ويمنع أهل الجبل من الدخول إليها، فعلم الأمير أنه يريد العصيان عليه، فحضر بعسكر إلى بعبدا وقابله الجزار في المصيطبة، وأظهر له الخضوع وطلب أن يمهله أربعين يوما ليخرج من بيروت، فاغتر الأمير بكلامه وأمهله، ولما مضت الأربعون يوما جاهر بالعصيان، فجمع الأمير عسكرا وحاصر المدينة وكتب إلى ظاهر العمر أن يوعز إلى الأسطول الروسي لينجده، ولما أتى اتفق معه الأمير يوسف أن يدفع له ثلاثمائة ألف قرش على أخذ المدينة وتسليمها إليه، حاصرها برا وبحرا أربعة أشهر، ثم خرج الجزار من المدينة مستسلما عن يد ظاهر العمر، فعاد الأمراء الشهابيون إلى بيروت وولى الأمير عليها حاكما من أهلها.
وفي السنة المذكورة راسل الشيخ ظاهر عثمان باشا والي دمشق بأن يتوسط له بالعفو عنه، فعفا السلطان عنه وولاه على صيدا وعكا وما يليهما، فاطمأن خاطره واستفحل أمره . وسنة 1774 استأذن أبو الذهب السلطان بأن يحمل على سورية لتأديب ظاهر العمر، وخرج من مصر ومعه عسكر كثيف، ولما بلغ غزة ارتجت له البلاد، فحاصر يافا ستين يوما، وكان كريم بن ظاهر فيها وفتحها عنوة وأهلك من كان بها ونهب أموالها، وأقبل على عكا وجاهر الأمير يوسف بطاعته فقام الشيخ ظاهر إلى صفد، ثم سار منها بأولاده إلى عرب عنزة، ثم ملك أبو الذهب صفد ونهب دير إيليا النبي، وقتل من وجد من رهبانه وهدمه. وإذ كان ذات يوم جالسا في مظلته سقط مغشيا عليه، وكان يصرخ: «ردوا عني هذا الشيخ المفترس.» والناس لا يرون أحدا ومات، فقال العامة: إن إيليا النبي خنقه. وحمل عسكره جثته وعادوا إلى مصر.
وبعد موت أبي الذهب رجع الشيخ ظاهر إلى عكا، وأرسلت الدولة العلية أسطولا أميره حسن باشا إلى سورية، فكتب إلى الشيخ ظاهر أن يؤدي ما عليه من الأموال، وإلا فيعزل عن ولايته، فجمع أولاده وأصحاب مشورته واستشارهم، فاختلفت آراؤهم وصوب بعضهم دفع المال، وكان رجل اسمه إبراهيم الصباغ قيم بيته أمره أن يعد المال، فاعتذر وقال: «ليس عند الشيخ إلا رجال وسلاح، فليفعل حسن باشا ما شاء.» فاشمأز الدنكزلي وخرج إلى من كانوا على الأبراج، وقال: «إن الشيخ يريد أن يلقي نفسه بالنار، اسلموا بأنفسكم، وسدوا أفواه المدافع ولازموا الإقامة عليها حتى لا يطلق أحدها.» ولما أبطأ الجواب قام حسن باشا بالأسطول إلى عكا، وأمر والي القدس أن يحضر بعسكره إلى هناك، وأخذ الأسطول يرمي المدينة بالقلل فأرسل الشيخ ظاهر المغاربة؛ ليطلقوا المدافع على المراكب، فقال من في الأبراج: «إننا قوم مسلمون لا نحارب السلطان.» واعتصموا في الأبراج لا يدعون أحدا يدخل إليها، فلما علم الشيخ ظاهر ذلك فر من البلد، وبينما هو خارج من الباب رماه أحد المغاربة برصاصة أصابته في صدره، ودخل حسن باشا إلى عكا، فإذا هناك من الأموال والسلاح والتحف ما لا يحصى. وأرسل حسن باشا كتاب الأمان إلى أولاد الشيخ ظاهر، فحضر إليه أربعة منهم فقبض عليهم وقتل واحدا منهم؛ لأنه تطاول بالكلام على الدولة، وأرسل الثلاثة مع رأس أبيهم إلى الأستانة وقبض على إبراهيم الصباغ، وعذبه حتى أقر بكل ما يعلمه من ذخائر مولاه وشنقه، فسبحان الباقي. (5) في ما كان بسورية في أيام السلطان عبد الحميد خان الأول
Unknown page