Muḥammad ṣallā allāh ʿalayhi wa-sallam

محمد صلى الله عليه وسلم

إهداء الكتاب

1 / 1

-بكل خضوع وخشوع، أقدّم كتابي هذا إلى محمد رسول الله ﷺ.
إلى من أُنزل عليه الفُرقان. ونشر لواء الإسلام. وعلَّم الخلق كيف يعملون لدنياهم الفانية وآخرتهم الباقية.
إلى نور الهُدى الذي بلغ من حسن الخلُق ورُجحان العقل وثبات العقيدة، غايةً ليس وراءها مُطَّلَعٌ لناظر، ولا نهايةٌ لمستزيد ولا فوقها مُرْتَقىً لِهمَّة. من أثنى عليه رب العالمين فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
هذه يا رسول الله سيرتك الطاهرة العاطرة، أرجو أن تنال عَطْفَك وتحظى برضاك. فإني لم أُرِدْ غيرَ وجه الله الكريم والتبركَ برسوله الأمين. وخدمة المسلمين أجمعين.

1 / 2

المقدمة

1 / 3

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد النبيّ العربيّ الأميّ الأمين، الذي سطعت أنواره من مكة المكرمة فأضاءت الأنام وبددت جحافل الظلام، ومحت الوثنية ومحقت الأصنام وثبتت بفضل جهوده دعائم الوحدانية وأسس الإيمان وانتشرت الفضائل بالاقتداء بسيرته والاهتداء بتعاليمه.
وبعد فهذه قطرة من بحر السيرة النبوية عنيت بتأليفها وتنسيقها لتكون درسًا ومرجعًا لطلاب التاريخ الإسلامي. وقد بذلت المجهود في البحث والتنقيب والاطلاع على ما ألف في هذا الموضوع المترامي الأطراف الذي قضى العلماء فيه أعمارهم من قديم الزمان إلى الآن، واستعنت بأوثق المصادر وحققت ما وجدت من خلاف وجمعت شمل ما تشتت في بطون الأسفار، فلم أقتصر على كتب السير وهي تفوق حد الكثرة، بل اعتمدت أيضًا على تفاسير القرآن الشريف وكتب الحديث الموثوق بها وتراجم الصحابة رضوان الله عليهم ومعاجم اللغة وساقني البحث إلى مطالعة كتب المستشرقين في السيرة النبوية للوقوف على طرائق بحثهم وسردهم الحوادث ومواطن شبههم واعتراضاتهم، فمنهم المنصفون وهم الأقلون وقد استشهدت بآرائهم في الدفاع عن صاحب الشريعة، ومنهم المعتدلون لكن لا تخلو تعليقاتهم من اعتراضات ومغامز خفية وشبهات لا يستطيع ردها إلى الصواب من الوجهة التاريخية إلا من درسها ودرس معها التاريخ الإسلامي بتوسع من مصادره الأصلية وينابيعه الصافية، ومنهم من لا هم له إلا الطعن بدافع التعصب والحقد، كزمرة المبشرين الذين لا يبغون غير إفساد العقائد وهؤلاء لا يمكن أن نسميهم علماء محققين بل هم في الواقع تجارٌ مضللون فقد ينسب الواحد منهم إلى الإسلام ورسوله الكريم من الخرافات والمفتريات ما لا أصل له إلا في مخيلته ومخيلة كل متعنت نغرض، ولذا اضطررت بعد أن وقفت على حقائق التاريخ الإسلامي أن أترجم إلى قراء العربية بعض هذه الشبهات والاعتراضات ورددت عليها من المصادر الصحيحة ردودًا يضمحل أمامها كل شبهة ويزول كل شك حتى تتطهر النفوس من أدران الشبهات وتعود إلى الهدى وتسلك المحجة الواضحة، ولا يخفى أن ترك هؤلاء المتعصبين الحانقين على الإسلام أو المتجرين باسم الذين يلقون بذور الفساد وينشرون المفتريات والاعتراضات من غير أن ينهض من يذود عن الحقائق بسلاح العلم الصحيح وإقامة الحجج الناصعة والبراهين القاطعة، تهاون وتقصير يجب أن ينزه عنهما كل من آتاه الله عقلًا راجحًا.
إن الينابيع التي تُسقى منها السيرة النبوية واقية لكنها مع ذلك مشتتة في بطون كتب التواريخ العامة والأدب واللغة والطب والفلك فقد تعثر فيها على بحوث قيمة قد لا توجد في كتب السير فلقطف هذه الثمار لا بد من البحث والاطلاع بصبر وتأن وهذا يحتاج إلى جهد شاق ووقت طويل.
أما كتب السير نفسها فهي على ما يعلم كل باحث ومحقق غير مرتبة ترتيبًا يسهل على الطالب العثور على بغيته من ضبط تواريخ الوقائع والحوادث وتسلسلها ومعرفة مواقع البلدان والأماكن والوقوف على سير الرجال بصورة واضحة جلية، وهي إما مطولة تطويلًا مملًا أو مختصرة اختصارًا مخلًا.
تلك الكتب تنقصها الفهارس الوافية التي لا يخلو منها كتاب حديث، فهارس بأسماء الرجال والقبائل والنساء والأماكن. هذا غير الفهرس العام بالموضوعات، وقد قمت بتحريره وترتيب هذه الفهارس بأنواعها لسهولة البحث والمراجعة إذ قد لا يتسع وقت الباحث في موضوع خاص لتلاوة الكتاب من أوله إلى آخره.
أضف إلى ذلك ما في السير من الحشو والخروج عن الموضوع والتضارب والاختلافات التي لا يخلو منها كتاب والتي لا يكاد يستخلص القارئ منها واقعة صحيحة أو رأيًا قاطعًا يرتاح إليه.
هذه حالة المؤلفات العربية التي بين أيدينا. وقد تعرّض بعض المصنفين في العصر الحاضر إلى تحليل شخصية رسول الله ﷺ تحليلًا نفسيًا باعتبار أنه شخص عاديّ إلا أن ذلك قد يؤدي إلى الشطط وطمس الحقائق التاريخية وتشويهها، لأن سيرة رسول الله ليست كسيرة أي فرد من الأفراد أو عظيم من العظماء ممن يطبق على حياتهم وسلوكهم أصول علم النفس ويحكم عليهم بمجرد الرأي والملاحظة. نعم إنه ﵊ إنسان لكنه إنسان ممتاز بلغت عظمته الكمال البشري فلا يمكن مقارنته بغيره من عظماء القادة والزعماء. إنسان اختاره الله ﷾ واصطفاه لتبليغ رسالته للناس كافة وأنزل عليه الوحي وأتى بمعجزات خارقة للطبيعة يقف أمامها العقل البشري حائرًا لا يفقه لها تعليلًا. ولا يزال العقل عاجزًا عن إدراك كنهها وكيفية وقوعها بالرغم من تقدم العلوم والاكتشافات الحديثة.
ولا يفوتني أن أذكر أن التاريخ لا يعتبر الآن كما كان في سالف الأزمان قصصًا تكتب وتتلى بل أصبح علمًا يدرس كما تدرس العلوم المؤسسة على البحث والتحقيق.
إن للعلماء السابقين مزيد الفضل فقد حرصوا على تدوين الأحاديث النبوية وتحروا صحتها وألفوا السير فاغترفنا من مناهلهم العذبة وقطفنا من ثمار مجهوداتهم الصادقة.
وها أنا ذا أتقدم بهذا الكتاب إلى العالم الإسلامي راجيًا المولى جل شأنه أن أكون بعملي هذا قد أديت بعض الواجب عليّ نحو سيدي وحبيبي رسول الله ونحو الدين الحنيف دين الطهر والتوحيد والأخلاق الفاضلة.
ثم أتقدم بالشكر الخالص للفاضلين عبد العزيز أفندي الحلبي ومحمد أفندي الحلبي لعنايتهما بطبع الكتاب طبعًا متقنًا وتولى نشره في العالم الإسلامي. جزاهما الله خير الجزاء، وأشكر جميع أصدقائي الذين أبدوا غيرتهم واهتمامهم لإظهار الكتاب حبًا منهم في العلو وخدامه.
محمد رضا.

1 / 4

[متن الكتاب]

1 / 5

نسبه ﷺ

1 / 6

-هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (١) بن قصي (٢) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي (٣) بن غالب بن فهر (٤) بن مالك بن النضر (٥) بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس (٦) بن مضر (٧) بن نزار (٨) بن سعد (٩) بن عدنان (١٠) .
إن نسب سيدنا محمد ﷺ لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان كما هو مذكور ههنا. إنما اختلف النسابون من عدنان إلى إسماعيل، لكنهم أجمعوا على أنه ينتهي إلى إسماعيل. وكره الإمام مالك رفع النسب إلى آدم، وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال "ههنا كذب النسابون".
ومضر وربيعة هم صريح ولد إسماعيل باتفاق جميع أهل النسب.

(١) مناف اسم صنم أضيف "عبد" إليه، كما يقولون عبد يغوث وعبد العزى وعبد اللات.
(٢) قصي يقال اسمه زيد ويقال اسمه مجمع.
(٣) لؤي تصغير لأي وهو الثور الوحشي، وقد يكون تصغير لأي وهو البطء. والمشهور فيه الهمز.
(٤) فهر: الحجر على مقدار ملء الكف يذكر ويؤنث.
(٥) النضر الذهب الأحمر.
(٦) إلياس مختلف فيه فمنهم من يقول اليأس موافق للذي هو خلاف الرجا وهو مصدر يئس، وبعضهم يقول فيه إلياس بكسر الهمزة.
(٧) مضر: الأبيض مشتق من اللبن الماضر وهو الحامض.
(٨) نزار من النزارة وهي القلة.
(٩) معد من تمعد إذا أشتد.
(١٠) عدنان مأخوذ من عدن في المكان إذا أقام فيه، ومنه جنات عدن أي جنات إقامة وخلود.

1 / 7

مناقب أجداده ﷺ

1 / 8

-النبي ﷺ من سلالة آباء كرام وكلهم سادة وقادة ولهم مكان مكين ومقام بَيِّنُ العِزِّ عظيم، وقد اشتهروا بالحكمة والشجاعة والإقدام والكرم كما يتبين ذلك من ن؟؟ ذكره بالاختصار من مناقبهم وأخبارهم.
فقد كان (معد) صاحب حروب وغارات على بني إسماعيل ولم يحارب أحدًا إلا رجع بالنصر.
وكان (نزار) أجمل أهل زمانه وأرجحهم عقلا.
وكان (مضر) جميلا كذلك ولم يره أحد إلا أحبه، ومن حكمه المأثورة: "خير الخير أعجله فاحملوا أنفسكم على مكروهها واصرفوها عن هواها فيما أفسدها فليس بين الصلاح والفساد إلا صَبْرُ فواق" والفواق ما بين الحلبتين. ومضر أول من حدا للإبل وكان من أحسن الناس صوتًا.
وكان (إلياس) في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه، ومن حكمه: "من يزرع خيرًا يحصد غبطة، ومن يزرع شرًا يحصد ندامة".
وأما (فهر) فإليه جماع قريش وما كان فوق فهر فلا يقال له قرشي بل يقال له كناني، واسمه قريش وكان فهر كريمًا يفتش على حاجة المحتاج فيسدها بماله وهو الجد السادس لأبي عبيدة بن الجراح.
(كعب) وهو الجد الثامن لعمر بن الخطاب. كان يجمع قومه يوم العروبة أي يوم الرحمة وهو يوم الجمعة فيعظهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ وينبئهم بأنه من ولده ويأمرهم باتباعه.
(مرة) وهو الجد السادس لرسول الله ﷺ والجد السادس أيضًا لأبي بكر الصديق ﵁، وفي مرة أيضًا يجتمع نسب الإمام مالك بنسب الرسول ﷺ.
و(كلاب) اسمه حكيم وقيل عروة. ولقب بكلاب لأنه كان يكثر الصيد بالكلاب وهو الجد الثالث للآمنة أمه ﷺ فهو ملتقى نسب أبيه بنسب أمه. وقيل أنه أول من سمى الأشهر العربية المستعملة إلى الآن.
و(قصي) اسمه زيد ويقال له مجمع وبه جمع الله القبائل من قريش في مكة بعد تفرقها فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورءوس الجبال بمكة فقسم منازلهم فسمى مجمعًا، وهذا عمل جليل وفضل عظيم لا يتم إلا على يد ذوي النفوس الأبية والهمم العالية. وقصي أول من أوقد نار المزدلفة وكانت توقد حتى يراها من دفع من عرفة.
وله يقول مطرود وقيل إن قائله حذافة بن غانم
أبوكم قصي كان يدعى مجمعًا ... به جمع الله القبائل من فهر
وكان إلى قصي في الجاهلية حجابة البيت وسقاية الحاج وإطعامه المسمى بإرفادة، والندوة وهي الشورى لا يتم أمر إلا في بيته ولا يعقد عقد نكاح إلا في داره ولا يعقد لواء حرب إلا فيها فكان بيته عبارة عن برلمان للعرب بل هو ملجأهم في جميع المشكلات سواء كانت هذه المشكلات قومية أو شخصية.
ولما حضرته الوفاة نهى بنيه عن الخمر ولا بد أنه أدرك مضرتها فنهى أحب الناس إليه عن احتسائها.
ومن كلامه الدال على تجاربه ورجاحة عقله:
"من أكرم لئيما شاركه في لؤمه. ومن استحسن قبيحًا ترك إلى قبحه. ومن لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان. ومن طلب فوق قدره استحق الحرمان. والحسود هو العدو الخفي" وإذا كنا نحكم على الإنسان بكلامه فهذا يدل على أن قصيًا كان يبغض اللؤم والقبح بغضًا شديدًا وكان شجاعًا كارها للغرور والحسد.
و(عبد مناف) اسمه المغيرة وكان يقال له "قمر البطحاء" لحسنه وجماله، وكانت قريش تسميه الفياض لكرمه، وهو الجد الرابع لعثمان بن عفان والجد التاسع للإمام الشافعي
(هاشم) واسمه عمرو بن عبد مناف ويقال له عمرو العلا لعلو رتبته وقد ساد قومه بعد أبيه عبد مناف، وقد وقعت مجاعة شديدة في قريش بسبب جدب شديد حصل لهم فخرج هاشم إلى الشام فاشترى دقيقا وكعكا وقدم به مكة في الموسم فهشم الخبز والكعك ونحر جزرًا (١) وجعل ذلك ثريدا وأطعم الناس حتى أشبعهم فسمى بذلك "هاشما" وكان يقال له "أبو البطحاء" و"سيد البطحاء" -والبطحاء مَسِيل الوادي- ولم تزل مائدته منصوبة في السراء والضراء، وكان موسرا يؤدي الحق ويؤمن الخائف. وهو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، فكان يرحل في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة وفي الصيف إلى الشام.
(عبد المطلب) وأمه سلمى بنت زيد النجارية. واسم عبد المطلب شيبة الحمد لأنه ولد وله شيبة مع رجاء حمد الناس له. وكان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال وهذا إحساس لطيفٌ ورفيقٌ بالحيوان الأعجم ولذا كان يقال له "مطعم الطير" ويقال له "الفياض". وكان مفزع قريش في النوائب وملجأهم في الأمور وشريفهم وسيدهم كمالًا وفعالًا. عاش مئة وعشرين سنة أو أكثر وقد انتهت إليه الرياسة بعد عمه المطلب. وكان يأمر أولاده يترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دَنِيّات الأمور. ورفض عبد المطلب في نهاية عمره عبادة الأصنام ووحده لله. وقال دغفل النسابة أن عبد المطلب كان أبيض. مديد القامة. حسن الوجه. في جبينه نور النبوة وعز الملك. يطيف به عشرة من بنيه كأنهم غاب.
وهو الذي كشف عن زمزم بئر إسماعيل وأقام سياتها [سياقتها؟؟] للحجاج فكانت له فخرا وعزا على قريش وعلى سائر العرب.
وكان يكرم النبي ﷺ ويعظمه وهو صغير ويقول "أن لابني هذا لشأنًا عظيما" وذلك مما كان يسمعه من الكهان والرهبان قبل مولده وبعده. وكانت كنية عبد المطلب "أبا الحارث" كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور اسمه الحارث.

(١) جزر جمع الجزور من الإبل يقع على الذكر والأنثى.

1 / 9

أولاد عبد المطلب: أعمام رسول الله وعماته

1 / 10

Muḥammad ṣallā allāh ʿalayhi wa-sallam | Usul