Mudhakkarat Jughrafiyya
المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية
Genres
ليس المقدسي أول من تولى وصف الشام، لكنه يفوق على من تقدمه بوفرة معلوماته وبحسن أسلوبه، والحق يقال: إنه تحرى في عمله طريقة نظامية تجعل تأليفه في مقام رفيع.
ولد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء نحو (السنة 336ه/947م) في القدس الشريف، فدعي لذلك بالمقدسي، وهو الاسم الذي ندعوه به اختصارا فيما يأتي، وكان جده مهندسا بارعا في الشام، وهو الذي ابتنى ميناء عكا كما أفادنا حفيده؛ إذ قال فيه (ص162 و163): «لم تكن «عكا» على هذه الحصانة حتى زارها ابن طيلون (طولون)، وقد كان رأى صور ومنعتها واستدارة الحائط على ميناها، فأحب أن يتخذ لعكا مثل ذلك المينا، فجمع صناع الكورة وعرض عليهم ذلك، فقالوا: لا يهتدي أحد إلى البناء في الماء في هذا الزمان، ثم ذكر له جدنا أبو بكر البناء وقيل: إن كان عند أحد علم هذا فعنده. فكتب إلى صاحبه على بيت المقدس أن ينهضه إليه، فلما صار إليه وذكر له ذلك قال: هذا أمر هين علي بفلق الجميز الغليظة. فصفها على وجه الماء بقدر الحصن البري وخيط بعضها ببعض، وجعل لها بابا من الغرب عظيما، ثم بنى عليها بالحجارة والشيد، وجعل كلما بنى خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتد البناء، وجعلت الفلق كلما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنها قد جلست على الرمل تركها حولا كاملا حتى أخذت قرارها، ثم عاد فبنى من حيث ترك كلما بلغ البناء إلى الحائط القديم داخله فيه وخيطه به، ثم جعل على الباب قنطرة، فالمراكب في كل ليلة تدخل الميناء، وتجر السلسة مثل صور.»
تعاطى «المقدسي» في أول أمره التجارة، وتجشم لذلك أسفارا أعدته للدروس الجغرافية، وكان يشعر في قلبه ميلا عظيما إلى معرفة البلدان، ولم يزل يقوى فيه ميله إلى أن انقطع إلى ذلك الفن بتمامه، فطاف كل بلاد الإسلام - اللهم إلا السند والأندلس، ثم باشر نحو السنة 985 تصنيف كتابه، فبلغه كماله بعد ثلاث سنوات، أما سنة وفاته فلا تزال مجهولة، وكذلك تفاصيل ترجمته لا نعلم منها إلا القليل مما أثبته عن نفسه في مطاوي كتابه، الذي دعاه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم».
ومن البديهي أن الكاتب أحكم القسم المختص ببلاد الشام مسقط رأسه فتوسع فيه، لكن تأليفه كله يستحق الثناء، قال المستشرق غلدميستر
Gildemeister : «إن المقدسي قد امتاز بين بقية أرباب أوصاف البلدان بكثرة ملحوظاته وسعة نظره.»
1
وقال سبرنغر
Sprenger : «ليس من سائح تجول في البلاد كما تجول المقدسي، ولا أحد لحظ ما لحظه أو روى معلوماته مثله بنظام وترتيب.» وكذلك العلامة بربيه دي مينار
B. de Meynard
يعد تأليفه ذا قيمة لا تقدر.
Unknown page