Mīzān al-shuyūkh
ميزان الشيوخ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الملك الحق المبين ، باسط الرزق ذي القوة المتين ، منزل الوحي على المرسلين ، باعثهم إلى الكافة ( مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )، وقد أوضح طريق مراضيه ومساخطه بالتبيين، وفرق بكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بين الضلال المشين ، المردي في طبقات سجين ، وبين الهدى المرقي إلى درجات الفردوس في عليين، وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحجة البالغة، والدلالة الواضحة، وجعله بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، فتح الله صلى الله عليه وسلم ببعثته عيونا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فتلقحت بنوره العقول، واستقامت به الأعمال في طريق الوصول، واكتسبت الفطر من شمائله كرائم الأخلاق، فكان لها نهاية السلوك، وانجذبت الأرواح بالمحبة إلى فاطرها العلي ، فارتفعت إلى قربه صاعدة من السفول، راقية من دركات الإبعاد، ومهاوي الأضداد والنزول، وكمل الأمة بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم غاية المأمول - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه - وخصه بالمقام المحمود، وقدم الصدق الثابت ، الذي لا يتزلزل ولا يزول، ورزقنا اتباعه، وسلوك نهجه المضيء، الذي لا ضلالة فيه، ولا لإضاءته أفول، وبعد: فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني المؤمنين في الآفاق - جمعنا الله وإياهم في حضرة قدسه يوم التلاق وذلك لما كان في النصيحة لله ، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من المندوب ، الذي لا يسع المؤمن تركه ، ولا الإعراض عنه خصوصا في هذه الأزمنة المتباعدة عن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فلها اليوم سبعمئة سنة وكسور، فحدثت في هذه المدة الطويلة الأحداث، وكثرت البدع وتشربتها النفوس فقذفت بمقدار ما تشربته من البدع المنكرة سننا معروفة، فصار الإسلام غريبا وأهله غرباء، كما اخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد رحم الله الأمة بأن أقام لها في كل قرن أعلاما يكونون لدينه أنصارا
Page 229
فينبهون الناس على الأحداث الناشئة، والبدع الكائنة، يتلو بعضهم بعضا، يصلحون ما أفسد الناس من سنن، وفي الحديث:(من أحيا سنة أميتت فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة ).
فصل
إنما يقتدي العاقة برؤسائها وأشرافها ومشايخها، فعليهم وزر ما ابتدعوا، ولهم أجر ما تبعوا - كذلك - إلى يوم القيامة ، وقي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) وعنه صلى الله عليه وسلم قال (ما من قتيل يقتل إلا وعلى ابن آدم الأول كفل من دمه، فإنه أول من سن القتل) يعني به (قابيل) الذي قتل (هابيل).
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل : (وإن توليت ، فعليك إثم الأريسيين) والأريسيون هم الأتباع والأكرة، يعني إن توليت عن الحق فإن عليك إثم من اتبعك في الضلالة، والتولي عن أمر الله تعالى.
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار دين ورهبانها يروى هذا القصيد بكماله عن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه.
فصل
القادة في زماننا أصناف : ملوك، وأمراء، ورؤساء، وعلماء، ومشايخ صوفية ومشايخ فقراء، فالملوك والرؤساء والأمراء - وإن كانوا أولي أمر- فأبصارهم طامحة إلى مشايخ العلم، ومشايخ الزي، فإلى مشايخ العلم يستندون في القضايا والأحكام، ومن مشايخ الزي يستنشقون أرائج المواجيد، وحقائق الإيمان، ثم إن الملوك، والأمراء، والرؤساء، لما انصرفت هممهم إلى جمع الحطام، وقهر الأنام، وشرب الخمور، ومعانقة المنكر والمحظور، واستحلال المحارم والمظالم
Page 230
والمكوس، واقتناء المماليك للاستمتاع المحرم، فقست لذلك القلوب وأظلمت أرجاؤها، وانعكست فطرهم، فصار عندهم الحسن ما استحسنته نفوسهم واستطابته، والقبيح ما قبح في نظرهم، فأعرضوا عن استحسان الشرع واستقباحه، اللهم إلا أشياء ظواهر ، ينخرم الدين جملة بتعاطيها ، وخرق سياجها ، كاستباحة المحارم ظاهرا، وخرق سياج الصوم والصلاة، فهذا لم يمكنهم تركه لأنه خروج إلى الكفر بالأصالة.
فلما عميت قلوبهم وأظلمت أسرارهم، خفي عنهم تمييز الصادق من الكاذب وكل من لبس عندهم هيئة العلماء، ووجدوا عنده كلاما ونهمة في المنطق ، كان فقيها، وكل من تزيا عندهم بلبس المرقعة كان صوفيا أو فقيرا، فضلت العامة بهم ضلالا مبينا ، لجهلهم بالصادقين، وعدم التمييز بينهم وبين الكاذبين.
فصل
وأما العلماء، فلما اهتموا - أيضا - بحب الدنيا، وجمع الحطام، والتكالب على الرفعة والمناصب بين الأنام، وشدة الاهتمام بالتقرب إلى الأمراء والدخول معهم في أهوائهم، ويفتنونهم بآرائهم طلبا للمنزلة عندهم، أظلمت - أيضا - قلوبهم، وعميت عن الرشد، فتصرف هواهم في علومهم وكدرها، فصارت علومهم الشرعية مشوبة بأكدار الهوى، ممزوجة - وإن كانت حقا - بأباطيل آرائهم ومحبوباتهم، فلا ينكرون المنكر، ولا ما قام لهم فيه مصلحة دنيوية ، من كسر من عاندهم أو ناوأهم ، فيكسرونهم بحجة إقامة الدين، ويظهرون مثالبهم، ولا يأمرون من المعروف إلا ما استجلبوا به رفقا أوجب لهم رئاسة وظهورا، فمات الحق لظهور رغبتهم، وظهر المنكر لإبقائهم على رئاستهم، فبعدوا عن الله تعالى وأبعدوا، وكانت زلاتهم كالسفينة تغرق وتغرق، اللهم إلا بقايا منهم خاملون مضطهدون مبغوضون (وقليل ما هم) فضل بهم العامة والملوك، وصاروا حجة في العوائد الفاسدة والأحكام الباطلة، والرغبة في الدنيا، والتهاون بأمور الدين، يقول الناس بأجمعهم: (إذا كان الفقهاء يفعلون ويتركون) فاتخذوهم قدوة، فضلوا في أنفسهم، وأضلوا عن سواء السبيل.
Page 231
فصل
وأما مشايخ الزي، فلما أعرضوا عن مجموع أمر الله تعالى، فطلبوا الدنيا وطاب لهم أكلها بما يظهرون من الزي والحال، وحسن السمت، ومد العنق، وحب الشهرة والقبول ، ومحبة الاستتباع والاتباع في الدنيا ، داهنوا لهذه الأغراض الملوك والأمراء، إبقاء على رئاستهم، وكرهوا أن يصدعوهم، فصار سكوتهم حجة لظلم الظالم.
وأما أهل الانحراف من أهل الزي، الذين شأنهم الستجلاب قلوب الجهال والبطلة، والنساء، والفلاحين ، بإظهار السماع والرقص ، ودعوى أنهم أهل المحبة ، والمعرفة، والاتصال بالله، والتصوف، فاتخذوا هذه الدعوى سبيلا إلى أكل أموال الناس بالباطل، والتمتع بنسائهم وصبيانهم بعقد المؤاخاة، والمضاجعة معهم، فإن أحدهم - على زعمهم - إنما يضاجع أخته أو أخاه، وذلك عندهم لا بأس به إذا كان القلب نظيفا !!
يتقربون إلى الأمراء لنيل الدراهم والجاه عندهم ، ويزوكرون بالصياح والثهد عندهم، والأمراء منغمسون في الفواحش والمظالم، قد أظلمت قلوبهم، وعميت عن الحق أبصارهم، فصاروا لا يعرفون التمييز بين الحق والباطل، ولا بين الصادق والكاذب، فيرون شيخا معه جمع كثير، عليهم المرقعات، قد أحسنوا زيهم، وتزينوا للخلق باجتماعهم وعكوفهم على شيخهم يعظمونه ويقبلون يده ، وكيف لا وهو دكانهم، وسبب إلى نيل معاشهم.
بهذه الصورة تقوم صورهم، إذ لولاها لماتوا جوعا، فهو لهم صنم يرتقون به والحادي صنم آخر ، على حسه يجتمع الناس ، ويؤلف بينهم ، فالشيخ هو محل الوهم الذي يوهمون به الخلق، وأن هذا هو، وهو والحادي كطبل المشعبذ، يجمع الناس على ذلك الوهم الفاسد ، فينتج من اجتماعهم ميل القلب إليهم، ومحبتهم لهم، وصنعة الطعام لاجتماعهم، ولا بد من أولاد حسان وزوجات وضيئات، فإذا
Page 232
مال الآباء إليهم، فبالضرورة يحن الأولاد والأزواج إليهم، فيرتقون بطعام الآباء ويتمتعون بالإخوة - وهم الأولاد والأزواج فتبلغ نفوسهم هواها وغرضها بهذه الصورة التي أقاموها، فضلوا بذلك وأضلوا كثيرا، وأظلمت قلوبهم والتبستهم صور شيطانية، يرى العارفون بشاعتها من وجوههم، فما أبعدهم عن الله تعالى، وأبعدهم عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله حقيقة، وهم قطاع الطريق، يقطعون طريق الحق عن اتباع السنة والوصول إلى الله تعالى،فما جاء الإسلام قوم أضر منهم على أهله ، إنما يعرف ضررهم على الإسلام من يعرف الإسلام وطريقته، وما أصدق من قال: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها فنسأل الله العظيم، الجبار القدير ، العزيز الحكيم ، أن يكشف هذه الظلمة عن وجه الإسلام، وأن يعفي آثارها، ويمحق منارها، وأن يكشفهم للخاص والعام، حتى ترميهم العيون بالنظر الشزر والازدراء،و يقلاهم الخلق فينالهم الذل عقوبة الافتراء فيموتوا جوعا وعريا وحفاء وذلة، أو يرجعوا إلى طريق الحق والصواب ، ويتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجيء والذهاب.
فصل
سبب انحراف الأمة وتشعبها، هو أنه حدث في هذه القرون بعد الرسول صلى الله عليه وسلم مشايخ صالحون، أولو أحوال أميون،لا يعرفون تفاصيل الشريعة، فلم يعملوها، ولم يحملوا أصحابهم على تفاصيلها، فصات أفعال شيخ كل طائفة بها يقتدي أصحابها، وصار الشيخ هو المتبوع في شمائله وأحواله وعاداته، وأعرضوا بذلك عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والله تعالى سائلهم يوم القيامة عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لا عن اتباع الشيخ فلذلك افترقت الأمة فرقا، وصاروا بهذا الافتراق شيعا.
فصل في ميزان توزن به المشايخ، ليكون متبعهم على بصيرة من أمره ونيته من حاله
Page 233
اعلم أن المشايخ في زماننا ثلاثة : شيخ علم، وهو الفقيه، وشيخ سلوك، وهو الصوفي، وشيخ عامة، وهو شيخ الفقراء، ولا بد لهم من ميزان تعرف به جادة طريق المستقيم منهم والمنحرف ، ومن الذي يتعين اتباعه منهم ، والذي يجب اجتنابه والتباعد عنه منهم، وبالله التوفيق ، ونسأله أن يرينا الحق حقا ويعيننا على اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويعيننا على اجتنابه.
الفصل الأول في بيان استقامة طريق شيخ العلم من انحرافه
(العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) ، كذا جاء في الحديث ، وقال الله تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ) فالعلم الكامل هو اسم يدخل تحته كل فضيلة تتعلق بالدين الظاهر ، أو بالحال الباطن، علما وعملا وخلقا وحالا، قال الله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فقد نبه على أن الخشية من الله تعالى ميزان العلم ، أي العلم به، وبأمره، ونهيه.
فانقسم العلماء ثلاثة أقسام:[ الأول ] عالم بالله عز و جل، وعالم بدينه، وهو العالم الكامل الجامع ، الذي علمه وحاله قوت ومادة لكل مؤمن، ومسلم، وصديق، ومثالهم في الأمة كأبي بكر، وعمر، وبقية العشرة، وعلماء الصحابة وفقهائهم، أهل العلم الشرعي ، والعمل الموفي به ، والعلم اللدني ، جمعوا كل فضيلة من علم وعمل، وخلق وحال رضي الله عنهم فهم كانوا أعمق الناس علوما، وأصحهم أعمالا، وأكملهم أحوالا.
كانوا متبعين لأمر الله تعالى في الظاهر مجتنبين لنهيه ، عالمين يأمره ونهيه ، يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. يبذل أحدهم نفسه لله، يرى دماءه تسيل
Page 234
وهو إلى قدام يقاتل على دين الله من خالف الله وكفر به، هذا عملهم، وأما وعلمهم وحالهم، فكان شيخهم، وممدهم من العلم والحال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو سيد العلماء، وسيد العارفين ، وكان علم الصحابة من بحر علم الرسول صلى الله عليه وسلم ورثوا الحال من صحبته ونظره، وورثوا العلم من أقواله وأفعاله، فهم سادات الأمة، بهم نقتدي وبهم نهتدي.
أيها المنصف !! فهل كانوا كشيوخ الفقراء في زماننا?! كلا - والله - بل لو رأوهم لجاهدوهم وقاتلوهم على ما ابتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وكذلك جاء بعد الصحابة سادات التابعين وعارفوهم وعلماؤهم ، كسعيد بن المسيب ، وأصحاب ابن مسعود ، كعلقمة والأسود - من أهل البصرة - والحسن البصري وغيرهم، كان الحسن إماما في كل فن، كان قوم يأخذون عنه العربية، وقوم يأخذون عنه التفسير، وقوم الأحكام الفقهية، وقوم يأخذون عنه أحوال القلوب، فكان إذا اجتمع به أهل القلوب يخلو بهم، فلا يدع غيرهم يدخل معهم، فرأى يوما في حلقته شيخا من غيرهم، فقال: ما أجلسك عندنا يا لكع؟ إنما جلسنا مع أصحابنا نتذاكر.
وكذلك كان في كل قرن سادات من العلماء الكمل، جمعوا العلوم، والأعمال والأخلاق، والأحوال، حتى كان في المئة الرابعة، شيخ الإسلام وقدوة الأنام، أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي بهراة ، صاحب (منازل السائرين) كان إماما في السنة والتفسير، إماما في المواجيد والأحوال رضي الله عنه ثم كان في المئة الخامسة الشيخ الإمام عبد القادر الجيلي رضي الله عنه ببغداد، كان الفقيه يأخذ عنه مدد علمه، وكان العارف يأخذ عنه مدد عرفانه، فهؤلاء العلماء الكمل رضي الله عنهم.
الثاني : عالم بأمر الله تعالى، وليس عالما بالله، وهم الفقهاء، ويعرفون أمر الله نهيه ، ولم تتصل قلوبهم بالله اتصال المحبة التامة ، بكمال الزهد في الدنيا والمناصب.
الثالث: عالم بالله تعالى، وليس عالما بامره، وهم العارفون الأميون، أحدهم له نصيب من الله عز وجل في قلبه، ولا يعرف تفاصيل الأمر والنهي، فهو صحيح بشرط ألا
Page 235
يخرج من معرفته إلى بدعة ، لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلامة استقامة طريق شيخ العلم في زماننا أن يكون عارفا بكتاب الله عز وجل، عالما بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عالما بفروع الأحكام، ورد الحوادث إلى الأصول، يقيم برهان ذلك إذا سئل عند النازلة، فيدل عليه من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون مع ذلك عاملا بعلمه، لا يجري على ظاهره من الأقوال والأفعال ما يخالف علمه، وأن يكون حريصا على الأمر بالمعروف ، مهتما به ، يصبح مهتما بإقامة أمر الله ، ويمسي به مهتما ، حريصا على النهي عن المنكر ، لا يدع فيه ممكنا ، يبذل فيه ما أمكنه من ماله وجاهه ، يتآلف الناس بماله وخلقه على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون زاهدا في المناصب، وفضول الدنيا تطلبه ولا يطلبها، وتأتيه ولا يأتيها، وأن يكون مجانبا للدخول على الملوك والأمراء الظلمة، فلا يدخل عليهم لطلب مال ولا جاه، يدخل عليهم ليأمرهم بالحق والعدل، ويعلمهم أمر الله ونهيه، وينهاهم عن البغي والظلم والإثم والعدوان، يدخل عليهم ليستضيئوا بعلمه ونوره في ظلمات حوادثهم، فهذا الدخول عليهم قد يكون واجبا عليه تارة، وأخرى مستحبا، وأن لا يداهنهم، ولا يدخل معهم في أغراضهم الفاسدة، ولا يفتيهم بما يأكلون من أموال الناس بالباطل، فيقلدونه فيها، فيدخل معهم بالتأويلات الفاسدة لينال من جاههم ومالهم، فيكون جسرا لهم يعبرون على رقبته إلى النار، وأن يكون من أهل الحديث والسنة، مجانبا للكلام والمنطق وأهله، عقيدته عقيدة أهل الحديث والأثر، لا عقيدة أهل الكلام والآراء الفاسدة، وأن يكون ورعا في منطقه، فلا يتكلم بما لا يعلمه، وإن سئل عما لا يعلم يقول: الله أعلم. ورعا في مأكله وملبسه، يكون له معيشة يستغني بها عن الناس، لا يقبل الهدية من مستفت يستفتيه، غرضه أن يفتيه في تحريم حلال، أو تحليل حر ام على وفق غرضه، وأن يكون أعف الناس وأعقلهم، فمن قل عقله لا يؤمن في علمه من الخطأ، وسوء الرأي، وأن يكون ظاهر المروءة، له مع ربه في خلواته عبارات وأوراد ، تعامله يظهر أنوار المعاملة على وجهه، ويظهر السكينة على منطقه وعمله، قليل الانبساط، ضحكه تبسم، مستعمل الأخلاق من الحلم، والصبر، والتواضع مع
Page 236
المؤمنين ، مستعملا للشدة والغلظة، سمتعملا للمصابرة والمداراة مع من يرجو منه الانتفاع بعلمه وكلامه ، راقد النفس ، ساكن الهوى ، فمن غلب عليه الهوى في علمه لا يؤمن أن ينتصر لباطل إذا حوجج فيه، ويخذل الحق إذا ظهر مع خصمه، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال من علماء زمانكم فاغتنموه، واسألوه عن أمور دينكم، وقلدوه أحكام حوادثكم ونوائبكم، واعلموا أن مثل هذا العالم يسمى وارثا، فإنه قد ورث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما قام به من العلم والعمل والخلق، فهو نور الأمة، ومصباح العالم، يستضاء بنوره، ويهتدى بعلمه.
فصل
ومتى رأيتم العالم يعمل بخلاف ما يعلم، فيخالف عمله علمه، ويقول ما لا يفعل ، أو يميل إلى الهوى في العلم ، أو يقل الاكتراث بالسنة والنصوص ، ويجنح إلى الرأي والتقليد ، مع قدرته على ذلك ، فيستدل بأعماله - بذلك - على سقوط منزلة النصوص عن قلبه، فيستدل بذلك على قلة دينه، أو سوء عقيدته، ومتى رأيتم العالم غير مهتم بالأمر بالمعروف ، غير مكترث بالنهي عن المنكر ، لا يبالي إذا انتهكت المحارم، ولا يتوجع قلبه لها، ولا يتأسف إذا عصي الله في أرضه، ولا يغضب لله في مخالفة أمره، ولا يحرص على الأمر بالمعروف، ويتآلف الناس عليه بالمال والخلق، فاتهموه في علمه ودينه، واستدلوا بذلك على قسوة قلبه، والطبع عليه، فما أشبه هذا بعلماء اليهود. قال تعالى: ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) [ الخطاب مع اليهود، وكذلك من عرف أمرا وخالفه أورثه ذلك القسوة، وبضده من عمل بما يعلم، أورثه ذلك الحكمة والحكم، ميراث خشوع القلب وصلاحه ، وإذا رأيتم العالم راغبا في فضول الدنيا ، نازعا لأهل المناصب في مناصبهم، يأتي أبواب الظلمة لما يناله من ذلك أو يطمع فيه، إذا دخل مع الأمراء يدخل معهم في أهوائهم، لا يحسن الحسن عندهم، ولا يقبح القبيح يأخذ معهم في الحكايات المضحكات لبسطهم ، ويأتي بالمحاضرات والملح فيمازحمهم، فاتهموه على علمه، وعلى دينه خصوصا إذ لم ينصر عندهم مظلوما،
Page 237
و لا يعتني بقضاء حاجة مضطر ملهوف، فإنه من القاسية قلوبهم ، المعرضين عن ربهم، قلبه بعيد من الآخرة، متعلق بالدنيا، علمه دكانه، ويتأكل ويرتزق، ولا يعامل الله بعلمه إلا قليلا، يسكت عن الحق خشية سقوط منزلته، ويمالئ على الباطل طلبا للرفعة، فما أبعد هذا عن الله وعن طريقه، علمه حجة عليه.
ومتى رأيتم العالم قليل الووع في كلامه ، يتكلم مجازفة ، ويكذب أحيانا ، ويستعمل الهزل واللعب، ويذكر المردان، ويميل إليهم، أو رأيتموه قليل الورع في المأكل والمشرب، والمدخل والمخرج، لا يبالي ما أكل حلالا كان أو حراما فاتهموه على علمه وعلى دينه، ولا تقلدوه أموركم، واحذروه أن يسلبكم دينكم، بتهوينه للأشياء الصغيرة من الحرام والشبهات، يسرق بذلك عقولكم، فيستدرجكم من حيث لا تعلمون.
ومتى رأيتم العالم يقبل الهدية من المستفتي ويفتيه على غرضه ، ويدخل في التأويلات والشبهات، كمسألة الاستحلال ، ومسألة الربا والمعاملة، ولا تجدونه متعففا في معيشته ، ترونه طامعا في أموال الناس ، يداخل القضاة ليولوه الولايات، مع شرهه على الدنيا ، وقلة ورعه ومبالاته بالحلال والحرام ، فاتهموه على علمه ودينه.
ومتى رأيتم عالما في عقله سخافة، وفي نظره قصور، يضع الأشياء - غالبا - في غير مواضعها، فاتهموه على استنباطه وعلمه ورأيه، ولا تقلدوه ومتى رأيتم العالم لا يتمم صلاته المفروضة ، ولا يطمئن في ركوعه وسجودها، ولا يحضر مع قراءته فيها بالخشوع والحضور، والتدبر والترتيل فاتهموه بقساوة القلب، وبعده عن الرب عز وجل.
ومتى وجدتم العالم لا معاملة له مع ربه عز وجل ، تظهر عليه بهجتها وأنوارها وسكينتها ، من تلاوة وصيام وقيام، فاعلموا أنه قليل النصيب من ثمرة العلم إذ ثمرة العلم المعاملة ، وقليل النصيب من المحبة والخشية، و( إنما يخشى الله من عباده العلماء) .
Page 238