Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
( أخلف ) أي جعل الوعد خلافا بأن لم يف بوعده ، ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها أن الإخلاف قد يكون بالفعل ، وهو غير الكذب الذي هو لازم التحديث ، وليس فيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد لأن ذم الإخلاف إنما هو من حيث تضمينه الكذب المذموم إن عزم على الإخلاف حال الوعد لا إن طرأ له كما هو واضح ، على أن علامة النفاق لا يلزم تحريمها إذ المكروه لكونه يجر إلى الحرام يصح أن يكون علامة على المحرم ، ونظيره علامات الساعة فإن منها ما ليس بمحرم ( وإذا ائتمن ) بالبناء للمجهول ، أي جعل أمينا ، قال ابن حجر : وفي رواية : ( أتمن ) بتشديد التاء لقلب همزته الثانية واوا وإبدالها تاء وإدغام التاء في التاء . ا ه . ولعل هذا الإعلال قبل دخول إذا عليه ومع هذا قال البيضاوي في قوله تعالى : 16 ( { فليؤد الذي ائتمن } ) [ البقرة 283 ] قرأ ورش والسوسي الذي ( يتمن ) بقلب الهمزة ياء وقرىء ( والذتمن ) بادغام وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم . ا ه . ولذا قال المحققون من القراء قراءة هذا بالتشديد مخالف للرواية والدراية ؛ فالصحيح في الرواية هنا إما بالهمزة الساكنة أو إبدالها ألفا ( خان ) ورواه ابن ماجة والترمذي ، وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر لإشتمالها على المخالفة التي هي عليها مبنى النفاق من مخالفة السر العلن ، فالكذب الاخبار على خلاف الواقع ، وحق الأمانة أن تؤدي إلى أهلها فالخيانة مخالفة لها ، وإخلاف الوعد ظاهر ولهذا صرح ( بأخلف ) ، فإن قيل : هذا الحديث مشكل من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره ، قلنا : اللام في المنافق إما أن تكون للجنس فهو إما على التشبيه لنفاق العمل الذي لا ينافي الإسلام بنفاق الإعتقاد الذي ينافيه بجامع أن كلا فيه إظهار بخلاف ما أبطن ، أو أن المراد الإعتياد ولذا قيد هذا بإذا المقتضية للتكرار ، يعني أن النفاق العملي إذا وقع كثيرا بحيث أنه يصير عادة قد يجر إلى النفاق الحقيقي بخلاف من وقعت له هذه الخصال أو بعضها نادرا ، فالحديث محمول على من غلبت عليه هذه الخصال . وقال البيضاوي : يحتمل أن يكون عاما لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذانا بأنها طلائع النفاق الذي هو أسمج القبائح ، لأنه كفر ضموا إليه الإستهزاء والخداع برب الأرباب ومسبب الأسباب ، فيعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين ، فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها ، فإن ( من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) . ويحتمل أن المراد بالمنافق [ المنافق ] العرفي وهو من يخالف سره علنه مطلقا ، ويشهد له قوله : ( ومن كانت فيه خصلة ) . وكذا قوله : ( خالصا ) لأن الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد على هذا [ قال النووي : حصل من الحديثين خمس خصال ، وقال في شرح مسلم : ( إذا عاهد غدر ) داخل في ( إذا ائتمن خان ) وباعتبار ذلك يرجع إلى ثلاث ، بل إلى واحدة هي أقبحها وهي الكذب . قيل : لكن الحق أنها خمسة باعتبار تغايرها عرفا ، أو تغاير أوصافها ولوازمها ، ولا تنافي بين قوله ( ثمة ثلاث ) و ( هنا أربع ) لأن مفهوم العدد ليس بحجة عند الأكثرين ، وعلى مقابلة الذي صححه غير واحد فيحتمل أنه أعلم بالوحي بثلاث ثم بأربع ] ، أو معناه الإنذار والتحذير من أن يعتاد هذه الخصال فتفضي به إلى النفاق الخالص ، وأما للعهد إما من منافقي زمن رسول الله وإما من منافق خاص شخص بعينه ، أو المراد بالنفاق هو النفاق العملي لا الإيماني ، أو المراد النفاق العرفي وهو ما يكون سره خلاف علنه ، واستحسن هذا لأن النفاق شرعي وهو الإعتقادي الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام ، وعرفي وهو العملي الذي هو إبطان المعصية وإظهار الطاعة ، فإرادته هنا أولى . وإطلاق النفاق على العملي كإطلاق الكفر على بعض كبائر الذنوب في نحو قوله عليه الصلاة والسلام : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) ، وأبي الحسن البصري مرة هذا الإطلاق ومرة قال به فسمى صاحب الكبيرة منافقا ، ويحكى أنه رجع عن الأول لما أرسل له عطاء إذ بلغه عنه ذلك أن أخوة يوسف عليهم الصلاة والسلام وجدت فيهم تلك الثلاثة أفتراهم منافقين فسر بما نبهه عليه عطاء ، وروي إن مقاتلا قال لابن جبير : إن هذا الحديث أفسد علي معيشتي لأني أظن أن لا أسلم من هذه الثلاث أو بعضها ، فضحك وقال : قد أهمني ذلك فسألت عنه ابن عمر وابن عباس ، فضحكا . وقالا : أهمنا ذلك فسألنا عنه النبي ، فضحك فقال : ( ما لكم وما لهن ، أما قولي : إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله علي 16 ( { والله يشهد أن المنافقين لكاذبون } ) [ المنافقون 1 ] وأما إذا وعد أخلف فذلك في قوله تعالى : 16 ( { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم } ) الآية [ التوبة 77 ] وأما إذا ائتمن خان فذلك فيما أنزل الله تعالى : 16 ( { إنا عرضنا الأمانة } ) الآية [ الأحزاب 72 ] وأنتم برآء من ذلك ) .
قال ابن حجر : وما ذكر في أولاد يعقوب مبني على القول بأنهم غير أنبياء ، أما على القول بأنهم أنبياء فيتعين تأويل ما صدر منهم بحمله على محامل التجوزات والكنايات التي تقتضي عدم وقوع حقائق ذلك منهم ، إذ الأنبياء معصومون قبل النبوة بعدها عن كبائر الذنوب وصغائرها ولو سهوا على ما هو الحق عند المحققين ، وإن كان الأكثرون على خلافه ويؤيد القول بنبوتهم بل يصرح به قوله تعالى : 16 ( { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } ) [ البقرة 136 ] وهم أعني الأسباط أولاد يعقوب ، فالآية مصرحة بوجوب الإيمان بما أنزل إليهم ويلزم من الإنزال إليهم نبوتهم كلهم . ا ه . وفيه نظر لأن السبط على ما هو المعروف في العرف واللغة ولد الولد ؛ ففي القاموس السبط بالكسر ولد الولد والقبيلة من اليهود وجمعه أسباط ، وفي النهاية الأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم بمنزلة القبائل من ولد إسماعيل وأحدهم سبط فهو واقع على أمة . ا ه . ولا يلزم من الإنزال إليهم أن يكونوا كلهم أنبياء ، إذ يمكن أن يكون أحدهم نبيا والباقون مأمورون بأتباعه كما في قوله تعالى : 16 ( { وما أنزل إلينا } ) [ ثم على ثبوت نبوتهم جميعا وعدم تجويز الصغيرة ولو سهوا ينسد باب تأويل ما صدر منهم من العقوق وقطع صلة الرحم وبيع الحر وقولهم : 16 ( { أكله الذئب } ) [ يوسف 17 ] ووعدهم بالحفظ بقولهم : 16 ( { وإنا له لحافظون } ) وإتيانهم عشاء يبكون إظهارا للحزن ، وقولهم : 16 ( { مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون } ) وقولهم : 16 ( { اقتلوا يوسف } ) وطرحهم إياه في البئر مع أن تأويلها يخالف أقوال السلف من إلزام عطاء والتزام الحسن ؛ فالصحيح قول الجمهور وهو تجويز وقوع الكبائر من الأنبياء سهوا والصغائر عمدا بعد الوحي ، وأما قبل الوحي فلا دليل على امتناع صدور الكبيرة ، وذهب المعتزلة إلى امتناعها ومنعت الشيعة صدور الصغيرة والكبيرة قبل الوحي وبعده ] .
Page 213