124

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

( 82 ) ( وعن ابن مسعود ) [ رضي الله عنه ] ( قال : حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق ) الأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية لتعم الأحوال كلها ، وأن يكون من عادته ذلك فما أحسن موقعه ههنا ، ومعناه الصادق في جميع أفعاله حتى قبل النبوة لما كان مشهورا فيما بينهم بمحمد الأمين المصدوق في جميع ما أتاه من الوحي الكريم صدقه زيد راست كفت باوزيد قال النبي في أبي العاص بن الربيع : ( فصدقني ) وقال في حديث أبي هريرة : ( صدقك وهو كذوب ) ، وقال علي رضي الله عنه للنبي في حديث الإفك : ( سل الجارية تصدقك ) ونظائره كثيرة . كذا قال السيد جمال الدين ، وفيه رد على ما قيل أن الجمع بينهما تأكيد إذ يلزم من أحدهما الآخر اللهم إلا أن يخص به ( إن خلق أحدكم ) بكسر الهمزة فتكون من جملة التحديث . ويجوز فتحها أي مادة خلق أحدكم ، أو ما يخلق منه أحدكم ( يجمع في بطن أمه ) أي يقرر ويحرز في رحمها ، وقال في النهاية : ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم ( أربعين يوما ) يتخمر فيها حتى يتهيأ للخلق ، قال الطيبي : وقد روى عن ابن مسعود في تفسير هذا الحديث أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دما في الرحم فذلك جمعها ، والصحابة أعلم الناس بتفسير ما سمعوه وأحقهم بتأويله وأكثرهم احتياطا فليس لمن بعدهم أن يرد عليهم . قال ابن حجر : والحديث رواه ابن أبي حاتم وغيره ، وصح تفسير الجمع بمعنى آخر وهو ما تضمنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعضو منها ، فإذا كان يوم السابع جمعه الله ثم أحضره كل عرق له دون آدم في أي صورة ما شاء ركبك ) ، ويشهد لهذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام : لمن قال له : ولدت امرأتي غلاما أسود ( لعله نزعه عرق ) . وأصل النطفة الماء القليل سمي بها المني لقلته ، وقيل : لنطافته أي سيلانه لأنه ينطف نطفا أي يسيل ، قال الصوفية [ خصوصية ] الأربعين لموافقته تخمير طينة آدم وميقات موسى ، ثم أنه يعجن النطفة بتراب قبره كما ورد في تفسير قوله تعالى : 16 ( { منها خلقناكم } ) [ طه 55 ] أن الملك يأخذ من تراب مدفنه فيبددها على النطفة ، ولكونه سلالة من الطين [ جاء ] مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين ، بل بحسب اختلاف المركبات من الطين فيه حرص النملة والفأرة وشهوة العصفور وغضب الفهد وكبر النمر وبخل الكلب وشره الخنزير وحقد الحية وغير ذلك من ذمائم الصفات ، وفيه شجاعة الأسد وسخاوة الديك وقناعة البوم وحلم الجمل وتواضع الهرة ووفاء الكلب وبكور الغراب وهمة البازي ونحوها من محاسن الأخلاق . ( نطفة ) حال من فاعل يجمع ( ثم يكون ) أي خلق أحدكم ( علقة ) أي دما غليظا جامدا ، قال ابن حجر : أي ثم عقب هذه الأربعين يكون في ذلك المحل الذي اجتمعت فيه النطفة علقة ، والأظهر أن قوله : ( يكون ) بمعنى يصير ، والضمير إلى ما جمع في [ بطن ] أمه نطفة ، وقيل : يصير خلقه علقة لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم . ا ه . وفيه أنه يلزم منه أن الصيرورة في أربعين وليس كذلك فالظاهر أن يقدر ويبقى أو يمكث ( مثل ذلك ) إشارة إلى محذوف ، أي مثل ذلك الزمان يعني أربعين يوما . ( ثم يكون مضغة ) أي قطعة لحم قدر ما يمضغ ( مثل ذلك ) ويظهر التصوير في هذه الأربعين ، قال المظهر : في هذا التحويل مع قدرته على خلقه في لمحة فوائد وعبر ؛ منها أنه لو خلقه دفعة لشق على الأم لعدم اعتيادها وربما تظن علة فجعل أولا نطفة لتعتاد بها مدة وهكذا إلى الولادة ، ومنها إظهار قدرته ونعمته ليعبدوه ويشكروه حيث قلبهم من تلك الأطوار إلى كونهم إنسانا حسن الصورة متحليا بالعقل والشهامة ، ومنها إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة ثم من مضغة مهيأة لنفخ الروح فيه [ يقدر على حشره ونفح الروح فيه ] ، قلت : ومنها بل أظهرها تعليم العباد في تدريج الأمور وعدم تعجيلهم فيها ، فإنه تعالى مع كمال قدرته وقوته على خلقه دفعة حيث خلقه مدرجا فإن الإنسان أولى به التأني في فعله كما قالوا مثل هذا في قوله تعالى : 16 ( { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام } ) [ الأعراف 54 ] فحصلت المطابقة والمناسبة والموافقة بين الآيات الآفاقية والدلالات الأنفسية ، قال تعالى : 16 ( { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } ) [ فصلت 53 ] ومنها تنبيههم وتفهيمهم أصلهم وفرعهم فلا يغتروا بقوة أبدانهم وأعضائهم وحواسهم ويعرفوا أنها كلها عطايا وهدايا بل على وجه العارية موجودة عندهم لينظروا في مبدئهم كما قال تعالى : 16 ( { فلينظر الإنسان مم خلق } ) [ الطارق 5 ] وفي الحديث : ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) ( ثم يبعث الله إليه ) أي إلى خلق أحدكم ، أو إلى أحدكم يعني في الطور الرابع حين ما يتكامل بنيانه ويتشكل أعضاؤه ( ملكا ) وفي الأربعين : ( ثم يرسل إليه الملك ) ، والمراد بالإرسال أمره بها والتصرف فيها لأنه ثبت في الصحيحين : أنه موكل بالرحم حين كان نطفة أو ، ذاك ملك آخر غير ملك الحفظ فإن قلت قد ورد في صحيح مسلم برواية حذيفة بن أسيد خلاف بن مسعود كما في المشارق : أنه إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها ، ثم يقول : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ، ثم يكتب أجله ورزقه . فعلم منه أن التصوير بعد الأربعين الأولى وهو مناف لهذه الرواية ، فجوابه أن لتصرف الملك أوقاتا أحدها حين يكون نطفة ثم ينقلب علقة وهو أول علم الملك بأنه ولد وذلك عقيب الأربعين الأولى وحينئذ يبعث إليه ربه يكتب رزقه وأجله وعمله وخلقته وصورته ، ثم يتصرف فيه بتصويره وخلق أعضائه وذلك في الأربعين الثالثة ، ثم ينفخ فيه الروح ؛ فالمراد بتصويرها بعده أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر لأن التصوير الأول بعد الأربعين الأولى غير موجود عادة كذا في شرح مسلم ، ولا يخفي ما فيه . وقد استفاض بين النساء أن النطفة إذا قدرت ذكرا تتصور بعد الأربعين الأولى بحيث يشاهد منه كل شيء حتى السوأة فتحمل رواية ابن مسعود على البنات أو الغالب ( بأربع كلمات ) أي بكتابتها ، وكل قضية تسمى كلمة قولا كان أو فعلا ( فيكتب عمله ) من الخير والشر ( وأجله ) مدة حياته ، أو انتهاء عمره ( ورزقه ) يعني أنه قليل أو كثير وغيرهما مما ينتفع به حلالا كان أو حراما مأكولا أو غيره فيعين له وينقش فيه بعد أن كانت مكتوبة في اللوح المحفوظ ما يليق به من الأعمال والأعمار والأرزاق حسب ما اقتضته حكمته وسبقت كلمته ؛ فمن وجده مستعدا لقبول الحق وأتباعه ورآه أهلا للخير وأسباب الصلاح متوجها إليه أثبته في عداد السعداء ، ومن وجده متجافيا قاسي القلب متأبيا عن الحق أثبته في ديوان الأشقياء وكتب ما يتوقع منه من الشرور والمعاصي ، هذا إذا لم يعلم من حاله ما يقتضي تغير ذلك وإن علم من ذلك شيئا كتب له أوائل أمره وأواخره وحكم عليه حسب ما يتم به عمله فإن ملاك العمل خواتيمه وهو الذي يسبق إليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة والنار ، وقيل : المراد بكتبه هذه الأشياء إظهاره للملك وإلا فقضاؤه سابق على ذلك ، قال مجاهد : يكتب هذه الكلمات في ورقة وتعلق في عنقه بحيث لا يراها الناس ، قال تعالى : 16 ( { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } ) [ الإسراء 13 ] قال أهل المعاني : أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله وهو صائر إليه من سعادة أو شقاوة ، وخص العنق لأنه موضع القلادة والأطواق . قلت : وهو كناية عن الذمة فكأن هذه الأشياء في ذمته أن يفعلها ولا يقدر أن ينفك عنها ، وقيل : يؤمر بكتابة الأحكام المقدرة له على جبهته أو بطن كفه .

Page 247