109

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

( 68 ) ( وعن أنس ) رضي الله عنه ( قال : قال رسول الله : إن الشيطان ) أي كيده ووسواسه ( يجري ) أي يسري ( من الإنسان ) أي فيه ، وقيل عدي يجري بمن على تضمين معنى التمكن ، أي يتمكن من الإنسان في جريانه ( مجرى الدم ) أي في جميع عروقه ، والمجرى إما مصدر ميمي أي يجري مثل جريان الدم فإنه لا يحس بجريه كالدم في الأعضاء ، شبه سريان كيده وجريان وساوسه في الإنسان بجريان دمه في عروقه وجميع اعضائه فهو كناية عن تمكنه من إغواء الإنسان وإضلاله تمكنا تاما وتصرفه فيه تصرفا كاملا بواسطة نفسه الأمارة بالسوء الناشىء قواها من الدم . ولقد صدق يحيى بن معاذ حيث قال : الشيطان فارغ وأنت مشغول ، وهو يراك وأنت لا تراه ، وأنت تنسي الشيطان وهو لا ينساك ، ومن نفسك للشيطان عليك عون وقد قال تعالى : 16 ( { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ) [ فاطر 6 ] وقال عز وجل : 16 ( { إلا إن حزب الله هم المفلحون } ) [ المجادلة 22 ] ، أو اسم مكان ظرف ليجري ومن الإنسان حال منه ، أي يجري في الإنسان مجرى الدم كائنا من الإنسان ، أو بدل البعض من الإنسان ، أي يجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم ، أو معناه أن الشيطان لا ينفك عن الإنسان ما جرى دمه في عروقه أي ما دام حيا ، وقيل : يجوز إرادة الحقيقة فإن الشياطين أجسام لطيفة قادرة بإقدار الله تعالى على كمال التصرف ابتلاء للبشر ( متفق عليه ) وفي الجامع الصغير : ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) رواه أحمد والشيخان وأبو داود عن أنس ، ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة عن صفية .

( 69 ) ( وعن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( قال : قال رسول الله : ( ما من بني آدم ) أي ما من أولاده والمراد هذا الجنس ( مولود إلا يمسه الشيطان ) رفع مولود على أنه فاعل الظرف لاعتماده على حرف النفي والمستثنى منه أعم عام الوصف فالإستثناء مفرغ ، يعني : ما وجد من بني آدم مولود متصف بشيء من الأوصاف حال ولادته إلا بهذا الوصف ، أي مس الشيطان له ، كأنه عليه الصلاة والسلام يرد على من زعم أن الأنبياء والأولياء لا يمسهم الشيطان ، فهو من قصر القلب الذي يلقي لمعتقد العكس ، وقيل : ما هي غير عاملة هنا حتى عند الحجازية لتقدم الخبر وهو من بني آدم على مبتدئه وهو مولود ( حين يولد ) قالوا : : المراد بالمس الحسي لقوله عليه الصلاة والسلام : ( كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد ) . وقال ابن الملك الوجه أن يراد من المس الطمع في الإغواء فيرده ظاهر قوله ( فيستهل ) أي يصيح ( صارخا ) رافعا صوته بالبكاء ، وهو حال مؤكدة أو مؤسسة ، أي مبالغة في رفعه ، أو المراد بالإستهلال مجرد رفع الصوت بالصراخ البكاء ( من مس الشيطان ) أي لأجله قال الطيبي : وفي التصريح بالصراخ إشارة إلى أن المس عبارة عن الإصابة بما يؤذيه لا كما قالت المعتزلة من أن مس الشيطان تخييل واستهلاله صارخا من مسه تصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول هذا ممن أغويه ، وأما قول ابن الرومي :

Page 230