أما هي فقد رقت له، وعطفت عليه، فأشارت إليه أنها باقية، ويدخل هذا الوقت «دنسيير»، وقد عاد من باريس، ونظم أمر الطلاق فينبئها بذلك، فإذا صاحبه القائد قد تغير كل التغير! الطلاق! وماذا تصنع هذه البائسة إذا أصبحت وحيدة؟ وهل فكرت في هذا؟ فإذا ذكر له قرينه ما كان قد لقيه به من عنف وغيظ، وما كان قد نصح له به في شدة وحزم، وأنه قد تغير الآن، اعترف بأنه تغير، وبأنه في حديثهما الأول كان مندفعا وراء العاطفة، أما الآن فقد فكر وتروى، وهو أقرب إلى العفو والمغفرة منه إلى السخط والغيظ، وتنضم إليه زوجه في هذا، فما تزال بالرجل حتى تقنعه بالعفو عن زوجه، ولم يكن هذا الإقناع عسيرا؛ فقد كان الرجل يريد هذا العفو لولا ما بين له القائد، وما نصح له به. يقنعانه بالعفو، ويعمد القائد إلى هذا الكتاب الذي كتبه الضابط إلى الوزير يطلب فيه أن ينقل إلى إحدى المستعمرات، يعمد إلى هذا الكتاب فيأمر بحمله إلى البريد، ثم ينصرف «دنسيير»، ويبقى الزوجان، فيقول القائد: لو أنه عفا أمس عن زوجه بعد ما اقترفت هذا الإثم لرأيت عفوه دناءة وانحطاطا.
فتسأله زوجه: أكنت أمس خيرا منك اليوم؟ فيجيب: لم أكن أعرف نفسي حقا!
كلاريس: ومن ذا الذي يعرف نفسه؟!
أرض الجحيم
قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «فرانسوا دي كوريل»
لا يترجم هذا العنوان ترجمة صحيحة ، عنوان القصة التمثيلية التي أريد أن أحدثك عنها اليوم، وإنما يؤدي شيئا من معنى هذا العنوان دون أن يؤديه كله، بل دون أن يؤدي منه الشيء الكثير، والترجمة الحرفية لهذا العنوان هي: «أرض لا إنسانية»؛ أي أرض لا يعيش فيها الناس، وإنما يعيش فيها أشخاص لهم طباع وميول، وعواطف وأهواء لم يعرفها الناس، ومع ذلك فهذه الأرض التي تقع فيها القصة أرض إنسانية حقا، ويعيش فيها ناس مثلك ومثلي، يحسون ما تحس، ويشعرون بما تشعر به، ويميلون إلى ما نميل إليه، هي جزء من فرنسا، أو جزء من «اللورين» التي كانت موضع النزاع بين فرنسا وألمانيا، حتى كانت هذه الحرب الكبرى فردتها إلى وطنها الأول.
واضع هذه القصة التمثيلية هو المسيو «فرنسوا دي كوريل»، كاتب فرنسي ممتاز، ذهب الفرنسيون في إكباره وإجلاله إلى مدى بعيد حتى وصفه نفر من كبار كتابهم بالنبوغ، وقد امتاز في فن التمثيل امتيازا خاصا، فقصصه التمثيلية رسائل في الأدب، وفي الفلسفة معا، في الأدب لأنها تكتب في أروع لفظ وأجزله، وفي أبدع أسلوب وأرشقه، وفي الفلسفة لأنها تدور دائما حول عاطفة من عواطف النفس، أو بعبارة أصح: حول غريزة من غرائز الإنسانية العامة، أو بعبارة أدنى إلى الدقة وأقرب إلى الصواب حول الغريزة الإنسانية العامة التي تسيطر على حياة الناس فتسيرها، وتضع لها النظم والقوانين الطبيعية التي نسميها الفطرة، وهذا الكاتب الفيلسوف متشائم بطبعه، سيئ الظن بالناس، لا يأمل فيهم خيرا كثيرا، لا لأنه يحتقرهم أو يزدريهم، بل لأنه يفهم حقا، ويعلم أنهم عبيد الغريزة، وأن هذه الغريزة قد كانت وستظل كما هي ضعيفة واهية مهما تختلف عليها الأطوار، وتتبدل من حولها ظروف الحياة.
هو فيلسوف متشائم، يرى الأشياء كما هي، لا كما يجب أن تكون، فليس تشاؤمه ثقيل الوقع على النفس، ولا باعثا لليأس في القلوب، ولكنه ليس جذابا، ولا منشطا للأمل، لا يبعث في نفسك يأسا، ولا يحيي في قلبك رجاء، وإنما هو قانع بما كان، ويود لو حملك على أن تشاركه في هذه القناعة، ولعل أحسن جملة تختصر فلسفته هي هذه الجملة التي قالها أحد المتكلمين المسلمين: «ليس في الإمكان أبدع مما كان.» ذلك على أن تكون هذه الجملة مقصورة على الحياة الإنسانية، لم يجاوزها الكاتب الفيلسوف في أدبه، ولا في فلسفته.
وقد أجمع النقاد الفرنسيون على شيئين؛ الأول: أن هذه القصة التي نحن بإزائها آية من آيات التمثيل في هذا العصر الحديث، الثاني: أن مجد هذه القصة وفوزها بإعجاب الجمهور لن يقتصرا على الملاعب الفرنسية، بل لا بد من أن يجاوزاها إلى ملاعب الأرض كلها؛ لأن هذه القصة الفرنسية في موضوعها ومكانها وزمانها ومغزاها إنسانية قبل كل شيء، صالحة لأن تقع في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل شعب.
أجمع النقاد الفرنسيون على ذلك، وذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك، فكتب مسيو «أندري ريفوار» في جريدة «الطان» يقول: «إن تاريخ التمثيل لم يعرف آية كهذه منذ «إيسكيليوس» اليوناني، أي منذ خمسة وعشرين قرنا.» فأنت ترى إلى أي حد بلغ فوز مسيو «فرانسوا دي كوريل» في هذه القصة الجديدة؟
Unknown page