Min Caqida Ila Thawra Iman
من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة
Genres
وعلى فرض صحة هذا التقسيم، فإن هذا الحصر غير جامع لكل الشعوب؛ فأين شعوب الصين واليابان وباقي أمم آسيا؟ وأين شعوب أفريقيا إن كانت الأمم في أمريكا لاتينية ما زالت مجهولة في العالم القديم؟ وأين شعوب مصر والشام وما بين النهرين والعبرانيون القدماء؟ وهل يشتمل الروم اليونان وباقي شعوب الغرب؟ وهل يمكن تصنيف شعوب الأرض كلها لهاتين الطبيعتين، أم أن هناك طبائع أخرى؟ ألا توجد شعوب كاملة تجمع بين الطبيعتين؟ وهل القسمة إلى الطبيعتين حكم واقع أم حكم قيمة؟ هل يفضل العرب والهند العجم والروم؟ ألا يوجد تمايز بين العرب والهند أو بين العجم والروم على الرغم من اشتراك كل منها في نفس الطبيعة والمزاج؟ وكيف يفسر انتشار الإسلام بين العجم وهم من طبيعة مخالفة للعرب، أكثر من انتشاره بين الروم وهم من طبيعة مشابهة للعجم؟ ولماذا لم ينتشر الإسلام في أرجاء الهند قاطبة وهي تشارك العرب في التكوين والمزاج. هل يعني ذلك أن رسالة الإسلام تتجه شرقا؟ والحقيقة أن الشعور الإنساني غير مرتبط بالجنس أو اللسان أو التاريخ أو الحضارة المشتركة. وإن كان نسبيا مرتبطا بلغته واستعاراته وتشبيهاته ومقولاته ونظرته للعالم، إلا أنه يستطيع أن يفارقها ويصبح شعورا فكريا عاما يتجاوز القوميات ويتعالى على الأجناس. هذا فضلا عما في الأحكام على الحضارات من مخاطر وعدم دقة وتميز. وخصائص الشعوب تنشأ من سلوك حضاري في لحظة معينة من تطورها في التاريخ دون أن تكون أبدية تمس جوهر الشعور أو تحكم على ماهيته. ولا يقتصر قوم أو قومان على طبيعة واحدة، بل توجد الطبيعتان معا عند كل قوم، وينشأ التياران المثالي والواقعي، الروحي والمادي، العقلي والحسي، الصوفي والعلمي. فهذان بعدان للشعور الإنساني والشعور الحضاري على السواء، قد يغلب أحدهما على الآخر في فترة زمنية معينة نتيجة لتطوره في التاريخ، ولكن لا يوجد حكم عام شامل على الحضارة بأنها كذلك، أحادية الطرف إلى الأبد. وقد يتداخل البعدان بطريقة غير سوية، فيتحول العقلي إلى عاطفي وانفعالي وهوائي وذاتي وغيبي وحسي وكمي وجسمي، يعبر عن ضنك وضيق واختناق ولهث؛ وبالتالي تفسد الطبيعة، وتكون في حاجة إلى وحي يعيدها إلى ثورتها ويحقق كمالها. (1-3) التفرق العقائدي المذهبي
والحقيقة أن البشر يختلفون فيما بينهم طبقا للعقائد والمذاهب؛ أي طبقا للديانات والأهواء. الفكر هو سبب التفرد والتنوع والتخصص والتميز. الشعور إذن ليس هو الشعور القومي، بل هو الشعور الفكري الذي يجمع العقائد والمذاهب، الأديان والفلسفات. تحديد ماهية الشعور من فكرة تحديد ماهوي لا مادي، مثالي لا موقفي؛ فالفكر ماهية الشعور. البشر إذن ملل ونحل، أهل ديانات وأهل أهواء.
10
ولكل قسم طبيعة؛ الأول مستفيد مطيع، وقد يكون مقلدا فتضيع الاستفادة؛ والثاني مستبد برأيه مبتدع، وقد يكون مستنبطا برأيه فيضيع الاستبداد. الأول يؤمن بالنبوات والشرائع، والثاني لا يؤمن إلا بالعقل وبأحكامه.
11
وهذا التقسيم قائم في الحقيقة على فكرة موجهة من النصوص الدينية، الاتباع أم الإبداع، التقليد أم التجديد. فالشعور إما آخذ أو معط، قابل أو رافض، مستفيد أو مفيد، متعلم أو معلم. فالنبي والفيلسوف صنوان، والنبوة والفلسفة شقيقتان رضيعتان، والعقل جامع بين الاثنين. وكما لا تنتهي الفلسفة بالضرورة إلى إنكار، كذلك لا ينتهي الدين بالضرورة إلى طاعة. ويمكن للفلسفة أن تكون تقليدا، ويمكن للدين أن يكون ثورة. لا يتعلق الأمر بالدين والفلسفة كميدانين، ولكن يتعلق بمنهجين وموقعين يظهران في الدين والفلسفة والعلم والفن والحياة.
ولما كان لكل دين كتاب، وهو مقياس من داخل الحضارة لأنها قامت على كتاب، فقد تنقسم الديانات إلى أربع فرق؛ الأولى ديانات كتاب منزل محقق، مثل اليهودية والنصرانية والإسلام؛ لذلك دخل النقد التاريخي للكتب المقدسة جزءا من علم أصول الدين للتحقق من الصحة التاريخية للكتاب.
12
والثانية ديانات شبهة كتاب، مثل المجوسية والمانوية؛ مما يدل على اعتبار خاص لهذين الدينين، واعتبار المجوس مثال أهل الكتاب، وأن الذي يجمع بين الوحي المنزل ونبوة أخرى هو الكتاب المقدس في ملة؛ فالكتب إذن كثيرة. والثالثة ديانات حدود وأحكام دون كتاب، مثل الصابئين الأوائل. وتنتقل بطريق شفاهي، ويكون التراث الشفاهي مصدر سلطة مثل التراث المدون. والرابعة ديانات ليس لها كتاب ولا شبهة كتاب ولا حدود وأحكام، مثل المذاهب الفلسفية والوثنية وعبادة الكواكب والبرهمانية. وهنا تدخل الفلسفة كقسم في الدين، ولا يعترف لها بكتاب مقدس؛ لأن الفلسفة لا تقديس فيها. والوثنية وعبادة الكواكب دين الطبيعة، والبرهمانية دين العقل، وكلاهما لا يحتاجان إلى كتاب.
13
Unknown page