757

فإن قلت: فما معنى الهداية المطلوبة بقوله: {اهدنا الصراط المستقيم}[الفاتحة: 6]؟ قلت: قد اختلفوا في ذلك على أقوال أحدها: أن المراد بها الثبات، وهذا مروي عن علي عليه السلام وأبي، رواه عنهما في الكشاف، وهو ظاهر قول زيد بن علي عليهما السلام فإنه قال في تفسير الآية: أمرهم أن يسألوه الهدى والاستقامة وهما الصواب في كل قول وعمل، وعليه بعض المفسرين، وقالوا: هو كما تقول للقائم: قم حتى أعود إليك، أي: اثبت ودم على ما أنت عليه، ونظيره: قوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا...}[آل عمران:8 ]الآية.

وهذا وجه حسن فكم من عالم زل بسبب الشبهة وانحرف عن الصراط المستقيم، وهو عند التحقيق راجع إلى معنى التوفيق إذ معناه: الدعاء بالحفظ عن استغواء الغواية، واستهواء الشهوات، والانقياد للشبهات.

الثاني: أن المراد طلب التوفيق بمنح الألطاف وزيادة الهدى الموعود به في قوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى}[محمد:17] وعليه يحمل تفسير ابن عباس لها بالإلهام، وهذا اختيار جماعة منهم: ابن جرير والزمخشري؛ إذ لا يجوز أن يكون المقصود طلب الدلالة والبيان، فإن من خص الله تعالى بالحمد والثناء وحصر العبادة والاستعانة فيه لا يكون إلا مهتديا، فلو كان طالبا لذلك لكان من طلب تحصيل الحاصل، وأيضا فإنه تعالى عدل لا يكلفنا إلا بعد الهداية التي بمعنى البيان والدلالة، وإلا كان تكليفا بما لا يعلم وهو قبيح، فتعين أن المراد به التوفيق المذكور والمعونة، ولا يجوز أن يكون طلبا للزيادة في المعونة على ما قد مضى من علمه؛ لأن ما قد مضى وانقضى لا يحتاج إلى المعونة فيه قطعا، وإنما يحتاج إلى المعونة في العمل المستقبل، ذكر معناه ابن جرير.

Page 763