724

المسألة الثالثة [دلالة هذه الآية على فساد مذهب المجبرة]

قالت (العدلية): في هذه الآية رد لمذهب المجبرة؛ لأنه قد دل فيها على ثبوت الجزاء على الأعمال، ولو كان هو الخالق لأعمال العباد والفاعل لها لامتنع الجزاء؛ لأن إثابتهم على غير أعمالهم عبث، وعقابهم بغير ذنوبهم ظلم، وكلاهما قبيح لا يجوز من الله فعله، أجابت المجبرة بوجهين:

أحدهما: لو لم تكن أعمالهم بتقدير الله وترجيحه لم يكن مالكا لها، ولما أجمع المسلمون على كونه مالكا للعباد وأعمالهم علمنا أنه خالق لها ومقدر.

الثاني: أنه خلق الجنة والنار، وخلق لكل واحدة منهما أهلا ؛ لأن له صفة لطف وصفة قهر كما ينبغي لكل ملك، فخلق لكل صفة مظهر ولا يسئل عما يفعل.

والجواب عن الأول أن نقول: لا نسلم أنه الخالق للداعية التي هي المرجح عندكم كما مر في المقدمة، ولا نسلم أن عدم خلقه للمرجح يستلزم كونه غير مالك للعباد وأعمالهم؛ لأن معنى ملكه للشيء: أنه قادر عليه إن قلنا إن مالكا صفة ذات، أو مستحق للتصرف فيه إن قلنا إنه صفة فعل، فعلى الأول يقال: معنى ملكه للعباد أنه قادر على التصرف فيهم بالإيجاد والإعدام والبعث ونحو ذلك، ومعنى ملكه لأعمالهم أنه قادر على جزائهم عليها على حسب ما يقتضيه العدل والحكمة، وإنما قلنا هذا؛ لقيام الدليل القاطع على أنهم الفاعلون لها، وعلى قبح الإثابة والمعاقبة لمن ليس له فعل.

وعلى الثاني يقال: معنى كونه مالكا لهم إنه مستحق للتصرف فيهم بعد وجودهم بالإعدام والإيلام ونحوهما، ومعنى كونه مالك أعمالهم أنه مستحق للتصرف فيها بالجزاء والمحاسبة عليها، وكل ذلك بحسب ما تقتضيه حكمته وعدله.

Page 730