Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
فإن قيل: اختيار الفاعل يخصص وجوده بجهة دون جهة ووقت دون آخر كما في صدور الأجسام عن القديم تعالى فلا يلزم المحال المذكور؟ قيل: المعلوم أنه قد يصدر عن أحدنا الفعل وهو غير عالم به كالساهي والنائم ولا اختيار لهما فيلزم هذا المحال، وتعين أنه لا فاعل لهذه الأجسام إلا الله الواحد القهار الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض العليم الحكيم.
وقد استدل بعض أصحابنا على أنه لا يصح أن يكون ذلك المختار من القادرين بغير قدرة بدليل آخر وهو: أن القدر وإن اختلفت فمقدوراتها متجانسة حتى لا جنس يصح أن يفعل بقدرة إلا ويصح أن يفعل مثله بقدرة أخرى، وإلا لجوزنا أن يقدر أحدنا على حركة يمنة فرسخا ولا يقدر على حركة يسرة ذراعا لفقد قدرته، والمعلوم ضرورة امتناع ذلك، وإن كانت متجانسة، فلو جوزنا قدرة على الأجسام لجاز من أحدنا إيجاد جسم بما فيه من القدرة؛ لأن مقدوراتها إنما تجانست لكونها قدرا وهي مشتركة في كونها قدرا فاشتركت في تجانس المقدور، ولما علمنا بالضرورة عدم قدرة أحدنا على إيجاد جسم، قطعنا بأن صانع العالم ليس بجسم، وهاهنا سؤال وهو أن يقال: يجوز أن يكون تعذر الفعل منا إنما هو لفقد أمر فينا نحو: أن نجوز أن ثم قدرة على الفعل لم يخلقها الله لنا بحيث لو قدرنا وقوع ذلك الأمر لصح منا فعل الأجسام، ومع هذا التجويز لا نقطع بعدم الصحة، فضلا عن كونه ضروريا.
أجاب الإمام المهدي عليه السلام : بأنا نعلم تعذر فعل الأجسام منا على حد علمنا بتعذر الجمع بين الضدين وجعل القديم محدثا، فلو جوزنا أن تعذر الأجسام لما ذكرتم لجوزنا تعذر الجمع بين الضدين وجعل القديم محدثا لذلك، وذلك يستلزم تجويز المحالات كجعل الجسم أسود أبيض في حالة واحدة.
Page 709