700

قيل: قد مر أن الحدوث عبارة عن الوجود مع الجواز فكيف يصح أن يقال: حدث مع الوجوب، ثم إن بالحدوث فقط يعلم الاحتياج إلى محدث ولا يعتبر قيدا آخر، كما أن كون الفعل ظلما يعلم قبحه ولا يعتبر حصوله مع الجواز، ولا غير ذلك من القيود.

وقد أجيب بأنه وإن كان حدوثها مع الجواز هو العلة في الحاجة، ولولا الجواز لما كان الحدوث علة، لكن ليس الجواز جزء علة وإن كان معتبرا على وجه الشرط، كما أنا عند العلم بالمتحركية نعلم الحركة وإن لم نعلم حصول المتحريكة على سبيل الجواز مع أنه هو الدليل الموصل إلى العلم بالحركة، وفي هذا الجواب تسليم أن الجواز من تمام وجه الحاجة.

فإن قيل: هذا الدليل كله مبني على القياس على أفعالنا وهي أعراض وأفعال الله تعالى أجسام وأعراض، فكيف يصح قياس الجسم على العرض مع أنه المقصود الأصلي في الاستدلال به على الباري تعالى؛ لأن من الأعراض ما لا يختص بالقدرة عليها الباري تعالى.

قيل: إذا ثبت اشتراكهما في علة الحكم لم يمتنع اشتراكهما في الحكم، وقد ثبت مشاركة الأجسام لتصرفاتنا في علة الاحتياج إلى محدث وهو الحدوث، فلم يمتنع القياس.

الدليل الثاني: ذكره الإمام المهدي عليه السلام تلخيصا للدليل الأول على غير طريقة القياس، وهو أن يقال: إذا ثبت حدوث العالم والحدوث وجود مع الجواز لزم احتياجه إلى محدث كحدوث أفعالنا؛ إذ الحدوث متماثل في الذوات ولا يحتاج إلى ذكر علة للاحتياج؛ لأن ذلك ليس بقياس، بل من باب إلحاق التفصيل بالجملة استدلالا، بيانه أن كل وجود على سبيل الجواز معلوم افتقاره إلى مؤثر وحدوث العالم وجود مع الجواز فافتقر إلى مؤثر، والشاهد وجود أفعالنا.

Page 706