Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
الدليل الثالث: أن القديم باق لأنه قد وجد أكثر من وقت، والباقي لا ينتفي إلا بضد أو ما يجري مجرى الضد؛ لأنه إذا انتفى مع جواز بقائه فلا بد من أمر، ولا اختيار للفاعل في ذلك لأن أحدنا إذا أوجد كونا ثم أراد انتفاءه ودعاه الداعي إلى ذلك فإنه لا يقع انتفاؤه إلا بفعل ضده، والباقي لا ضد له لأنه لو كان له ضد لكانت صفته بالعكس من صفة القديم، فيجب إذا كان القديم موجودا لذاته أن يكون ضده معدوما لذاته، وفي ذلك بطلان تأثيره على أنه يستحيل كونه معدوما لذاته؛ لأن المعدوم ليس له بكونه معدوما حال فضلا عن أن يكون معدوما لذاته أو لغيره، وفي هذا بطلان الضد من أصله، وكذلك ليس للباقي ما يجري مجرى الضد؛ لأن ذلك يقتضي أن يحتاج القديم في وجوده إلى شيء ولذلك الشيء ضد، فيقال فيه: إنه جار مجرى الضد له، والمعلوم أن القديم لا يحتاج في وجوده إلى شيء؛ لأن ذلك يقدح في قدمه كما مر في إبطال تقدم الفاعل والعلة عليه.
فإن قيل: ومن أين لكم أن خروج الموصوف عن صفته الذاتية لا يجوز؟
قيل: لأن بصفته الذاتية يكون ذاتا، ويدخل في صحة كونه معلوما، وخروجه عن كونه ذاتا محال؛ ولأن الصفة الذاتية ثابتة لا لأمر، وما ثبت لا لأمر لا يصح اختصاص حصوله بوقت دون وقت إذ التخصيص من غير المخصص محال، فيجب ثبوتها واستمرارها في جميع الأوقات، وقد قيل إن هذا أقوى ما يستدل به هنا، وما لم يرجع إليه من الأدلة فهو منظور فيه، وللقدح فيه مجال.
واعلم أنه قد استدل على حدوث الأعراض بأدلة غير ما تقدم مذكورة في شرح الأصول وغيره منها: أن الأعراض مشتملة على المختلف والمتماثل والتضاد، ولو كانت قديمة لتماثلت كلها لما مر أن القدم صفة ذاتية، والاشتراك في الصفة الذاتية يوجب التماثل، والمعلوم أنها غير متماثلة، فتعين أنها محدثة إذ لا يجوز في المتماثل أن يكون بعضه محدثا وبعضه قديما؛ لأن الطريق في الجميع واحدة فلو جاز في بعضها جاز في كلها.
Page 654