Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
الأصل الثاني: أن ما تركب من دون الثمانية فأهل اللغة لا يسمونه جسما، فالذي يدل على ذلك أنهم وضعوا لفظ الطول، والعرض، والعمق، لمعان غير المعنى الذي وضعوا له لفظ الجسم، فيقولون: جسم طويل، جسم غليظ ، وهو معنى العمق، والصفة غير الموصوف، أو جار به مجرى الغير، ألا ترى أن الكرم غير المتصف به في قولنا: زيد كريم، ولو اتحد المعنى لكان معنى قولنا: زيد كريم، وجسم طويل، معنى قولنا: زيد زيد وجسم جسمن والمعلوم خلافه فإنه يدل على معنى زائد على معنى الموصوف، ولما علمنا أن الطويل في لسانهم عبارة عن التحيز الممتد في سمت الناظر امتدادا زائدا على غيره، لم يكن بد من تمييز أقله إذ لا حد لأكثره، فنظرنا فوجدناه ما إذا نقص في تركيبه بطل امتداده في الجهة وخرج عن كونه طويلا إذ تقديره بفوق ذلك، تحكم صرف لا يدل عليه عقل ولا سمع، وكذلك نقول في العرض، وهو الإمتداد عن يمين الناظر وشماله فأقله ما إذا نقص منه بطل ذلك الإمتداد لما مر، وكذلك العمق، وهو الإمتداد إلى أعلى جهة فأقله ما إذا نقص بطل ذلك الإمتداد والوجه واحد، ولا حد لأكثرهما كالطول.
الأصل الثالث: في كون ذلك يبطل أقوال المخالفين، فأما قول أبي الهذيل فلأنه قد أخل بالعرض؛ لأنه لم يثبته إلا من أحد الجانبي،ن وما هذا حاله لا يسمى عريضا في اللغة.
وأما (أبو القاسم): فلأنه أخل بالعمق إذ لا يسمى عميقا إلا ما كان عمقه من جميع جهاته، وإنما بطل قولهما بما ذكر لأنهما يوافقان في أنه لا يسمى جسما إلا ما جمع الثلاثة الأوصاف.
وأما (الأشعرية): فيبطل قولهم بما مر من أن العرب لا تسمي جسما إلا ما ذكرنا، والمسألة لغوية وبأنه يلزمهم أن يستوي لفظ جسم، وطويل. ونحوه لوجود التأليف، فلا يصح الوصف بها والمعلوم خلافه.
Page 630