Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام : لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا تجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه بحانه فعل حقه على العباد أن تطيعوه وجعل جزاؤهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله، رواه في النهج، وكلامه عليه السلام يدل على أن كون الطاعات شكرا لا يمنع وجوب الجزء الذي قد أخبر به ووعد به، فإن قيل كلامه عليه السلام ليس صريحا في الوجوب بل فيه ما يقتضي عدم الوجوب وهو قوله: وجعل جزاهم عليه مضاعفة الثواب.
قيل: قد أجاب عن هذا العلامة ابن أبي الحديد رحمه الله، وحاصل ما قاله: إن معناه ليس أخذ من الموجودين بمرتفع عن أن يجري عليه الحق، ولو كان أحد كذلك لكان أحقهم بذلك الباري تعالى؛ لأنه السيد المالك، لكنه سبحانه يستحق عليه أمور فهو في هذا الحكم كأحدنا يستحق ويستحق عليه، وإنما حذف أمير المؤمنين تأدبا من إطلاق الوجوب علىاستحقاق عليه تعالى، ولا يقال: فما بال المتكلمين لا يتأدبون بادبه؛ لأنا نقول هم أرباب صناعة وعلم يحتاج إلى ألفاظ واصطلاح لابد من استعماله للإفهام والجدل بينهم، وأمير المؤمنين لا يحتاج إلى ذلك هنا؛ لأنه لم يرد تعليم هذا العلم، وإنما أراد بيان ما يجب له على رعيته وما يجب لهم عليه، فصح أنه على القول بالوجوب.
قلت: ويؤيده أن الكلام مسوق لبيان الواجب لأمير المؤمنين وعليه، وأنه لما وجب له عليهم واجب وجب لهم عليه واجب، وأن هذه قضية معلومة وهي أنه لا يجب لأحد حق إلا ويجب عليه عليه مقابلة حتى الباري تعالى، ودلالة السياق تبين المجملات وتدفع الاحتمالات، وأما قوله وجعل جزاؤه...إلخ فلا يدل على عدم وجوب الثواب.
قال الشارح: لأنه جعل المتفضل به مضاعفة الثواب لا أصل الثواب.
قال: وليس ذلك بمستنكر عندنا.
Page 602