532

وأما أهل القول الثاني وهم البغدادية ومن وافقهم القائلين بأن الفعل يقبح لعينه أي لصورته، فاحتجوا من وجهين:

أحدها: أن الأصل في ملطق الأفعال الحظر ولا الحظر إلا القبيح، فدل على أن قبح ذات القبيح معلل بالذات نفسها لا بوقوعها على وجه.

وأجيب بأنا لا نسلم أن الأصل الحظر، بل الأصل الإباحة بدليل أن العقلاء لا يذمون من تناول شربة من ماء غير محاز، أو استظل تحت شجرة لا مالك لها، أو نحو ذلك، ولا يصوبون من عاقبه على ذلك قبل ورود الشرع، فلو كان الأصل الحظر لذموا من فعل شيئا من ذلك، وصوبوا من عاقبه؛ إذ من أقدم على محظور فإنهم يذمونه قطعا، فثبت أن الأصل في مطلق الأفعال الإباحة، فلا يخرجها عن هذا الأصل إلا لوقوعها على وجه غير كونها فعلا لفاعلها.

الوجه الثاني: أن الجهل لا يقع غير جهل، وأجيب بأنا لا نسلم، بل يقع غير جهل، فإنه لو اعتقد أن زيدا في الدار وليس فيها كان جهلا، ولو اعتقد هذا الاعتقاد بعينه وهو فيها مع سكون النفس لكان علما.

واعلم أن هذا الجواب مبني على أمور، وهي كون العلم من جنس الاعتقاد، وأن الاعتقاد يصير علما بوقوعه على وجه، وأن الجهل إنما يقبح لوقوعه على وجه، وفي كل منها خلاف، أما الأمر الأول: وهو أن العلم من جنس الاعتقاد، فهو قول أكثر البصرية؛ لأنهما لو كانا جنسين مختلفين لصح حصول العلم دون الاعتقاد، والمعلوم أن ذلك لا يصح لأن الاعتقاد يقتضي الجزم بمتعلقه، والعالم جازم، ولا يصح أن يعلم أحدنا شيئا ولا يجزم به، وإن صح أن يعتقده ويجزم به ولا يكون عالما، فصح أن الاعتقاد يعم العلم وغيره، وأيضا لو كانا جنسين لكانا ضدين، وهو باطل لصحة اجتماعهما كما بينا، وإما مختلفين، وهو باطل وإلا لزم أن يبقى أحدهما مع طرو الجهل، فتعين كونهما مثلين.

وقال أبو الهذيل: بل العلم جنس غير الاعتقاد حكاه عنه أبو القاسم وغيره، وحكى عنه أبو علي غير ذلك.

Page 535