527

قيل: إذا ثبت للمأخوذ عليه أخصية باكتساب، أو احتطاب، أو نحوهما فإنا نعلم أنه أولى به وهو معنى الملك، فأخذه منه على جهة الإكراه إضرار، وهو الذي نريد بالظلم، فصح أنا نعرف أنواع الظلم ضرورة، على أنا قد قدمنا في المقدمة أن الشرع قد يكشف عن بعض الأحكام العقلية، فلا يمتنع كون بعض موجبات التمليك لا تعرف إلا بالشرع، فإن قيل: الأمور البديهية لا تختلف فيها العقول، ونحن لا نجد من بداية عقولنا العلم باستحقاق فاعل القبيح الذم، ولو كان ضروريا كما قلتم لشاركناكم.

قيل: إنما لم تدركوا ذلك لتدنس عقولكم بالعقائد الفاسدة، وقد قيل إن هذا أحد الأسباب المؤدية إلى التوقف في اليقينيات، مع أنكم لا تخالفون عند التحقيق إلا في القول دون الاعتقاد؛ لأنكم تعترفون أن الظلم ونحوه صفة نقص، ولا معنى للنقص إلا أنه يستحق الإهانة والاستخفاف، والذم أحد أنواع الاستخفاف لأنه يكون بالقول، والفعل، والترك، وحينئذ فقد أقررتم بأنكم تعلمون استحقاق فاعل القبيح للذم، ولكن لم تشعروا بذلك، ومع هذا الاعتراف فلا يحصل منكم إنكار للضرورة.

فإن قلتم: نحن منكرون كون الظلم ونحوه صفات نقص، بل نقول لا فرق في العقل بين فاعل الظلم والكذب، وبين فاعل العدل والصدق، ألحقناكم بالبهائم التي لا تعقل، وعددنا مراجعتكم كمراجعة المجانين.

قلت: وقد مر في المقدمة عن كثير من الأشاعرة القول بأن العقل يستقل بمعرفة الحسن والقبح، بمعنى استحقاق المدح والذم.

وحكى الإمام المهدي عليه السلام عن الرازي أنه قال ما لفظه: إنا لا ننازع أن الناس يستحسنون أمورا، ويستقبحون أمورا أخرى قبل ورود الشرع، حتى قال: إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا وجدناها جازمة بحسن الصدق، والعدل، والإنصاف، وقبح الكذب، والجهل، والظلم.

قال: لكن ذلك الاستحسان والاستقباح مغايران للاستحسان والاستقباح اللذين وقع النزاع فيهما.

Page 530