Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
والجواب: أنه قد مر له أن حمد المنعم عبارة عن القول والاعتقاد وعمل الجوارح، والمعلوم أن الأخيرين لا يكونان إلا من المكلفين، وقد ثبت أن الشكر واجب، وأن الحمد من أنواع الشكر، ولا طريق إلى معرفة الواجب إلا العقل والشرع، ولا شك أن كل ما قضى به العقل قضية مبتوتة فإن الشرع يؤكد وجوبه والأمر به، فعلى هذا لا بد من التقدير المذكور، ويؤكده الأمر به في قوله تعالى: {قل الحمد لله }[الإسراء:111]، ونحوها من الآيات والأخبار.
وأما قوله إن الأمر به يقتضي الإثم، فالكلام فيه كالكلام في سائر التكاليف.
واعلم أن كلامه في تفسير سورة الأنعام يقتضي ترجيح هذا التقدير فإنه قال هنالك إن في قوله الحمد لله قولان:
أحدهما: أن المراد به احمدوا الله، وإنما عدل عنه إلى صيغة الخبر ليفيد تعليم اللفظ والمعنى، وللإخبار بالاستحقاق سواء حمدوه أم لا، والثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن معناه قولوا الحمد لله، قالوا: والدليل على أن المراد منه تعليم العباد أنه قال في أثناء السورة: {إياك نعبد وإياك نستعين }[الفاتحة: 5]، وهذا الكلام لا يليق ذكره إلا بالعباد، والمقصود أنه سبحانه لما أمر بالحمد، وقد تقرر في العقول أن الحمد لا يحسن إلا على الإنعام كان الأمر بالحمد حاملا للمكلف على التفكر في أقسام النعم، فيؤديه ذلك إلى الاستدلال بها على إثبات الصانع وحبه، أما الأول فلأن تفكره يؤديه إلى العلم بأن هذه النعم محدثة فلا بد لها من محدث، وليس العبد المحدث لها، وإلا لحصل لنفسه جميع أقسام النعم، وتعين أن المحدث لها هو الله القادر على كل شيء، وأما الثاني فلأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فإذا كان الأمر بالتحميد مما يحمل العبد على تذكر أنواع النعم التي لا تحصى صار تذكرها موجبا لرسوخ حب الله في قلب عبده.
Page 503