Mawārid al-ẓamʾān li-durūs al-zamān
موارد الظمآن لدروس الزمان
Edition Number
الثلاثون
Publication Year
١٤٢٤ هـ
Genres
يديهِ بِمَنْزِلَةِ العَبَث الذي لا يَصْحَبُه خُشوعٌ ولا إقبالٌ على العُبُوديةِ، ولا معرفةُ حَقِيقةِ العبوديةِ.
واللهُ سُبْحَانَه قَد قَالَ: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾، وقالَ إبراهيمُ ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ﴾، وقَالَ لِمُوسَى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فلنَ تُكادُ تَجدُ ذِكْر الصلاةِ في مَوْضُوعٍ مِنْ التَّنْزِيلِ إلا مقرونًا بإقامَتِهَا.
فَالمُصَلُّونَ في الناس قَليلٌ ومُقيمُ الصلاةِ مِنهُم أقلُّ القليلِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁: الحاجُّ قليلٌ والرَّاكِبُ كَثيرٌ، فالعَامِلونَ يعملونَ الأعمال المأمُورِ بِهَا على التَّرويجِ تَحِلَّهَ القَسَمِ وَيقولونَ: يَكْفينا أدنَى ما يقعُ عليه الأَسمُ ولَيْتَنَا نأتي به.
ولو عَلِمَ هَؤلاءِ أنَّ المَلائكةَ تَصْعدُ بصلاتهمْ فتَعرضُها على الرّبِّ جلَّ وعلاَ بمنْزِلةَ الهَدَايَا التِّي يتقرّبُ بِهَا النّاسُ إلى مُلوكِهمْ وكُبرائِهم، فليسَ مَنْ عَمِدَ إِلى أَفْضلِ مَا يَقْدرُ عليهِ فَيُزَيّنه، ويُحسّنهُ، ما استطاعَ ثم يَتَقَرَّبُ به إلى مَنْ يَرجُوهُ، وَيَخَافُه، كَمَنْ يَعْمِدُ إلى أَسْقَطِ مَا عِنْدَهُ وَأهونِهِ عليهِ فَلْيَسْتَرِيح مِنْه وَيَبْعَثه إلى مَنْ لاَ يَقَعُ عِنْدَهُ بِمَوْقِع.
وَليسَ مَنْ كَانَتْ صَلاَتُهُ رَبيعًا لِقَلْبِهِ، وَحَياةً لَهُ، وَرَاحَةً وَقُرَّةً لِعَيْنِهِ، وَجَلاَءً لِحُزْنِهِ وَذَهَابًا لِهَمِّهِ وَغَمِّهِ، وَمَفْزَعًا لَهُ في نوائِبِهِ وَنوَازِلِهِ، كَمَن هِي سِجْنٌ لِقَلْبِهِ، وَقَيْدٌ لِجَوَارِحِهِ، وَتَكْلِيفٌ لَهُ، وَثقلٌ عَلَيهِ، فَهِيَ كَبِيرَةٌ عَلَى هَذَا وَقُرَّة عَينٍ وَرَاحَةٌ لِذَلِكَ.
وَقَالَ تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فإنمَّا كبُرَت على غير هؤلاء لخُلُّو قُلُوبهم مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ تعالى وَتْكبِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ
1 / 255