832

ومن جملة أهل الحضرة العلامة الحافظ بهاء الدين مطهر بن علي النعمان الضمدي، وكان من صدور العلماء ووجوه الزمان، وقورا حافظا للشريعة وآدابها، وكان لا يفارق الحضرة إلا قليلا، وبينه وبين السيد الصلاحي مفاكهات، وللفقيه مطهر(1) مسائل في الاعتقاد جانب بها أهل المقالة - رضي الله عنهم - وقد كان السيد الصلاحي كاد أن يتلقى بعض ما عنده بقبول ثم عادا بعد ذلك إلى بعض التنافر بعد أن استفحل علم السيد، وعظم تحقيقه، وتعاودا بعد هذا إلى الوفاق إلا أنه لم يتيسر لهما الاجتماع، بل جاء الفقيه من وطنه ليعزي السيد الصلاحي بوالده، فلما وصل (الحدب) - بالحاء والدال مهملتين - بلغه خبر موت السيد - رحمه الله - فكان كما قال في كتابه: لما وصلت الحدب، انسل علي البلاء من كل حدب. وكان بينهما مراجعات واجتمعا في بعض الأيام، فحررا مسألة حررها الفخر الرازي، وقالا: نوردها على القاضي العلامة أحمد بن يحيى بن حابس - رحمه الله - فوفدا إلى بيت القاضي أحمد فأجلهما، وأنس بمقدمهما، فذكرا له المسألة. فقال: هذه مسألة لا جدوى للخوض فيها إلا مع الإنصاف، فقالا: أجل الإنصاف متوجه، ونحن - إن شاء الله - فاعلوه، فلما أخذ عليهما الوثيقة في الإنصاف جلى المسألة أبهى تجلية، فقاما من المجلس فقال الفقيه مطهر: أما أنا فما عندي إلا الإنصاف قد علمته من كلام القاضي وتوضح لي الحق فلا غضاضة في الرجوع، وقال المولى الصلاحي بمثل هذا، لكنه عظم عليه ما قد نوه به من إشكال المسألة وتصوره أنه لا سبيل إلى حلها، فتوجه القاضي لحلها في بديهته فاستحيا وتعب، ولما رحل إلى العلامة مفتي اليمن السيد محمد بن عز الدين - أعاد الله من بركته - وقرأ عليه (المطول) و(جامع الأصول) و(الدامغ) و(الغايات) و(شرح بن بهران) على الأثمار ازداد علمه وواصله العلماء وأذعن له كل أحد، وكان /199/ يسميه السيد محمد بن عز الدين بالبحر، وعاد إلى صعدة بعد هذه الرحلة الأخيرة، وهو يقول: كنت أظن مذهبنا الشريف لم يعتن أهله بحراسة الأسانيد لأحاديثه، فتحققت ومارست الكتب فوجدت الأمر بخلاف ذلك، ولقد كنت في بعض المذاكرات استضعف حديثا من أحاديث أهل المذهب، ثم بحثت فوجدته من خمسة عشر طريقا كلها صالحة ثابتة على شروط أهل الحديث، وعمل - رحمه الله - في هذا قصيدة فائقة رأيته تجرم فيها من ميل الناس عن علوم آل محمد وهي من غرر القصائد، بل كان السيد العلامة محمد بن عز الدين - رحمه الله - يقول: هي من أفضل ما قال.

محمد بن عبدالله

ومن جملة من كان في حضرته الشريفة السيد الأديب الفاضل الذكي محمد بن عبد الله بن علي(1) بن الحسين، سيد جليل، فاضل نبيل، حريص على الطاعة مواظب على أنواعها، متواضع، حسن الأخلاق، يعز نظيره، وهو من أذكى الناس.

وكان يسميه السيد الصلاحي المعري لتوقد فهمه ويلقبه بالحكيم، ونقل عنه السيد الصلاحي مسائل من ذلك أنه استشكل السيد - رضي الله عنه - ما روى الوائدة والموءودة في النار فإن الرازي جعل الموءودة هنا الطفلة المستخرجة بالعرك من البطن، وهذا مشكل على قاعدة العدل.

Page 384