Maṭlaʿ al-Budūr wa-majmaʿ al-Buḥūr
مطلع البدور ومجمع البحور
عدنا إلى ذكر أولاد القاضي، ومنهم العلامة النجيب الحول القلب يحيى بن سعيد، هو الآن مدرس بصعدة مع كمال واسع، ومنهم عبد الله قاضي كامل الصفات فقيه عارف، وللقاضي أولاد غير هؤلاء نبهاء فقهاء، إلا أن هؤلاء الذين ذكرناهم يستحق كل واحد منهم إفراد ترجمة، وكلهم يروي عن والده المذكور، ومن التلامذة الأجلاء عبد الرحمن بن المنتصر، عالم الشيعة ورئيسهم، وسيأتي - إن شاء الله - ذكره، وكانوا يقرؤون على القاضي بكحلان وفيهم من هو حري بأن يكون أستاذا لولا جلالة القاضي سعيد كما يقال: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فاتفق أن القاضي سعيد غاب الحلقة، فاستناب الفقهاء للتدريس عبدالرحمن بن المنتصر المذكور، فدرسهم يوما ثم حضر القاضي، فكان لا يزال يتلهف على فوت ذلك المعشر، وهذه نكتة ظريفة، وكانت حالاته - رحمه الله - غريبة، ومن ملحه ما وعدنا به عند ذكر شيخه السيد عبد الله بن أحمد، وفي ذكرها تأديب وأحماض، حكى لنا الأصحاب الذين قرؤوا عليه - عادت بركته - أنه لما وقف عند السيد عبد الله للقراءة علق السيد المذكور بالقاضي لما رآه من جودة فهمه وكماله، فكان يعده العين الناظرة في الحضرة، فاتفق أن القاضي احتاج إلى تعريف الدولة بأمر لأنه خرج من عمالهم من آذى من يتعلق بالقاضي، فأنهى ذلك إلى السيد عبد الله، واستعان به، فرأى السيد - رحمه الله - أن صيانة مثل القاضي وإزالة الظلم متوجهة، وإن دخل على الظلمة، فدخل إلى صاحب الأعمال الخزرجي أو المحرقي، غاب عني، فلما أخبر المذكور بقدوم السيد - رحمه الله - منسه شيئا، ثم فتح الكلام تلقاه بالإكرام وأنزله في الصدر من المجلس وتصاغر له، ثم أحضر طعاما لم يذق السيد - رحمه الله - منه شيئا، ثم فتح الكلام في شأن القاضي وإن هذا رجل الزمان ووحيده، عالم خطير ممن ينبغي أن يرعى ويحتشم من تعلق به، وأطال في هذا المعنى، وهو - رحمه الله - لا يعرف اسم القاضي سعيد؛ لأنه اشتغل بكماله عن سؤاله عن اسمه، فلما سمع المحرقي أو الخزرجي تلك الصفات اشتغل بالسؤال عن الاسم، فقال: صدقتم ومن سيدنا هذا؟ فقال السيد - رحمه الله -: وما تعرف اسم سيدنا؟ فقال: لا، ثم قال له السيد مرة أخرى: أما تعرف اسم سيدنا؟ فكررها كالمنكر لجهالة المذكور لاسم القاضي، ففهم القاضي سعيد النكتة /151/ وكان إياس وقته فقال: يا مولانا، ما أدراه بسعيد بن صالح الهبل، فقال السيد للمذكور: ما تعرف سيدنا هذا سيدنا سعيد بن صلاح الهبل، وكانت أعجوبة مع السيد والقاضي، وكان للقاضي من الذكاء ما يعجب له، وكان السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي - عادت بركاته - يتعجب من ذكائه.
Page 285