Maṭlaʿ al-Budūr wa-majmaʿ al-Buḥūr
مطلع البدور ومجمع البحور
القاضي العلامة بديع زمانه، لسان المتكلمين، نصيح العترة المكرمين، العلامة بن العلامة أبو العلامة سعد الدين بن الحسين المسوري - رحمه الله - كان من أفراد وقته في الفضائل، مشار إليه في جميع الخلال الحميدة، وله في العلوم حظ واسع، وله مشائخ أجلاء وتلامذة منهم ولده العلامة شمس الدين أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - رحل سعد الدين(1) إلى صنعاء للقراءة، وسكن (قملا) من بلاد خولان، وله أشعار دارت بينه وبين السادات(2) النحويين(3) مفاكهات، وله إجادة في الشعر ومكنة عظيمة، وهذه القصائد الملموح إليها تدل على ذلك، وكان من أهل مكارم الأخلاق والمؤثرين على أنفسهم في الشدة، وكان عين الحضرة المنصورية - أعاد الله من بركة صاحبها- تولى بها الكتابة والخطابة، ووجهه الإمام كرتين فيما أحسب إلى الباشا للصلح؛ لأنه كان نبيها(4) حسن الأخلاق واسع الصدر، وكان لا يغضب لأمر يخصه، وما علمت له في هذا المعنى غضبة، وكان شديد الصولة في ذات الله، يضرب بغضبه المثل ويحسب الناس أنه لا يحسن شيئا من الصبر لما يرون من غضبه لله، وكان مقبولا في جميع حالاته مع شدته وشراسته في جنب الله، وأما فيما يخصه فحكى ولده صدر الإسلام ما ذكرت عنه أنه لم يحضر له غضبه، وكان يقول: أنا أطالب سادتي آل القاسم وأغضب عليهم أطلب منهم الأحسن ولا أرضى منهم بالحسن ولم أغضب عليهم لقبيح فهم منزهون عنه، وكان يقول للوفد إلى الحضرة(5) الأمامية، أما وقت الغداء والعشاء والمبيت فلا يمتنع أحد منكم (مني)(6) عن مجلسي، وأما سائر الأوقات فأطلب فراغ المنزل لأشتغل بمهماتي، أتلو وأفعل ما شئت، ليس لكم في ذلك نصيب، فإن الأعمار لا تضيع، وكان يقول: أنا في وقتين أنفس الناس(7) وقت الطعام والمبيت، ليس لي فيهما مع جميع من حضر(1) إلا حصتي، وأما سائر الأوقات فلا أقبل السمر والإطالة فيما لا طائل تحته، وكان حافظا يملي(2) الغرائب والنوادر العلميات والأدبيات، مما أخبرني به ولده صدر الإسلام - رضي الله عنه - قال: أخبره أن بعض الفضلاء مر على بعض أولاد الرؤساء فحرضه على القراءة، وقال: بديها أبياتا تشبه أبيات عبد الهادي السودي الموشحة: هذا المصلى وهذه الكثب وذا النقا. وهي مشهورة، وكان العلامة المهلا بالقرب /146/ من محل ذلك الطالب، فقال ذلك الفاضل لمن وصاه: هذا المهلا، وهذه الكتب وذا السقاء.
ولم يحضرني إلا هذا، وقد قيدته ولعلي أثبته - إن شاء الله- والمراد أن هذا الأستاذ وهو المهلا، وكان إمام العربية وهو المعروف بالنيسائي، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى-.
وهذه الكتب جمع كتاب يعني للدرس، وذا السقاء يريد السليط أو الزيت، وهذا عارض من القول.
وأخبرنا سيدنا ولده - رضي الله عنه - يروي عنه قال: عاد بعض الأفاضل بعض الأفاضل في مرض، فسأله عن حاله في الصلاة فأنشده:
وكرر ثناه ما استطعت وذكره ... ولا يلهك المولى تليد وطارف
ثم بيتا آخر لم يفهم عنه لضعف قواه وثقل لسانه غير لفظة المسايف، فأجاز ذلك بعض الفضلاء، فقال:
إذا ما ابتلاك الله فاصبر لحكمه ... على كل حال فهو للضر كاشف
وكرر ثناه ما استطعت وذكره ... ولا يلهك المولى تليد وطارف
وحافظ على فعل الصلاة ولا تدع ... فرائض أداها منيب وخائف
ولا تلغ فيه سنة مستحبة ... إذالم يكن عن ذاك في الحال صارف
وإن كنت في حال ضرير فأدها ... ولو مثل ما أدى وصلى مسايف(3)
قال سيدنا: أخبرني بذلك والدي سعد الدين بن الحسين برد الله مضجعه، ونوره، ورأيته أيضا(4) مكتوبا بخط بعض أهل العلم - رحمهم الله -. انتهى قلت: ومن شعره(1) أيضا في أسنان الإبل:
Page 273