618

بالرجاحة والركانة والرصانة، الحسين بن علي بن إبراهيم بن المهدي بن أحمد بن يحيى [بن القاسم بن يحيى](1) بن عليان بن الحسن بن محمد بن الحسين بن جحاف - رحمه الله - كان من علماء العترة وحلمائهم، فاضلا كاملا لا يؤثر عنه إلا الصالحات، وكان مرجوعا إليه في علوم العربية والفقه والأصولين مع كمال في ذلك، ولقي مشائخ، وترحل إلى مواضع العلم على متاعب، لكنه حمد مغبة ذلك، وكان منشؤه بيت الإمام الناصر الحسن بن علي لمكان الصهارة؛ لأن الإمام تزوج أخته ابنة السيد الهمام المقدم الشهير علي بن إبراهيم، فلذلك اختلط السيد الحسين بالإمام، وكان في بيته، وكانت له - رحمه الله - بلاغة في القول وانسجام في الخطاب، كأنما ينحط من صبب وكأنما يقرأ كلامه من صحيفة لا يخلط كلامه بشيء من الفضلات، وهذه كانت صفة الإمام الناصر الحسن بن علي لا يقولان في مقالهما ما تجري به العادة من الفضلاء من نحو نعم أو يعني أو نحو ذلك من العبارات الدخيلة، يدعم بها المتكلم، روي عنه أنه غاب خطيب الإمام بحبور فقيل للفضلاء يخطبون فقالوا: ومن يخطب بحضرة السيد الحسين، فقيل له: فاعتذر، فقيل له: تكلم فوق المنبر بكلامك الذي يجري بينك وبين العامة أو كما قالوا، وكان - رحمه الله - معتنيا بالكسب الحلال، ينزل بنفسه الكريمة إلى مغارب وطنه حبور كوادي عبس، ويعمل في المال ثم يروح حاملا لعباء من منافع المال للبيت من نحو حطب أو ثمر، فيستقر ببيته ريثما يتناول ما تيسر من الطعام، ثم يخرج للصلاة، ثم يبرز لتدريس (العضد) على أتم وجه، ولم يختلف اثنان في صفاته ورجاحته، وحسبه ما قال الإمام المؤيد بالله - عليه السلام - لأهل حجة لما افتتحها وطلبوا منه أميرا لها، قال: إن شاء الله سأوليكم رجلا مثلي، أو قال خيرا مني، أو كما قال، واستمرت يده على ولاية حجة وحمدت آثاره، وكان يستدنيه الإمام للآراء عند المهمات، وكان مشهورا بجودة الرأي كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، واستمر أولاده (بحجة) وهم من الكمال بمحل شريف، فالمباشر للمهمات أكبر(1) أولاده السيد الرئيس النبيل محمد بن الحسين، وولده العلامة الفاضل جمال الإسلام علي بن الحسين وولده السيد الفصيح النقاب عبد الله بن الحسين، عند أخيهما بحجة مشتغلان بنشر العلوم، وقد قرأ على علي بن الحسين جماعة، وقد رزق الله ولده عبد الله المذكور من الحافظة والذكاء ما بذ به الأقران على حداثة السن. وولده الحسن صاحب الأخلاق النبوية، والطرائق السوية(2)، /85/ صاحب الصدقات، واستقراره بحبور، وكانت وفاة السيد الحسين - رضي الله عنه - بحبور وقبر بالتربة عند داره المسمى بالناصرة، وهو من أحسن البنيان وأشمخها، وقبره مزور مشهور، ورثاه السيد العلامة البليغ زينة الوقت وحسنة الأيام إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن الهدى بن جحاف - أدار الله عليه شآبيب الألطاف - وهو ابن بنت السيد المذكور:

على مثلها دعوى التصبر يقبح ... فدع عبرات العين في الخد تسفح

أبعد المصاب القاصم الظهر يدعى ... تكلف صبر والتكلف يفصح

أناعي الحسين الماجد العلم الذي ... له شرف بين(3) السماكين ينطح

إمام الهدى جم الندى كابت العدى ... بعيد المدى بحر الندى ليس ينزح

مبلد فرسان البلاغة مظهر ال ... فصاحة إن صد البليغ التنحنح

معلم أرباب البلاغة نيلها ... وفاتح ما قد ظن أن ليس يفتح

مميط نقاب المشكلات فقوله ... دليل مبين في الخلاف مرجح

حسرت وحق الله لو كنت عالما ... لموقعه رزءا لما كنت تفصح

أقادح زند العلم حسبك إنه ... خبا زنده فافطن لما أنت تقدح أناعي صواب الرأي قد مات من له ... تعن خفيات الصواب وتسنح

Page 153