298

ولما تم بنعمة الله نوره، وامتد صوته وصيته، وسار ذكره في الآفاق، واصطحبت بتمجيده زمر الرفاق، وقد شخصت نحوه الأبصار، وامتدت إليه الآمال في كشف الغمة، وهداية الأمة، وعلم هو بعين الفرض، وسعى من يقوم بنصرته إليه بالنص والنهض، من أكابر آل محمد - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام - وعيون العلماء الأعلام، ما هم ملؤوا مسامعه بالبعث والحث البليغ على تلافيه الدماء، وقيامه بأمر الدهماء، كالأمير الكبير المتوكل على الله الداعي إليه أبو محمد أحمد بن الإمام المنصور بالله أمير المؤمنين، فإنه لحظه بمخايل النجابة، فصدقت مخيلته، ودعاه إلى القيام والتصديق للأمر العام، وبذل ما يجب من نصرته. وكذلك الأمير الكبير شيخ العترة ذي الشرفين عماد الدين صنو أمير المؤمنين، وجلة العلماء وهاماتهم دعوه إلى ذلك، وسلكوا بتوجيه الآمال فيه أوضح المسالك. وفي أثناء ذلك يظهر من كراماته وفضائله وبركاته والشفاء بثنائه، وأدرك كثير من الناس حاجة وطره على وفق الندر له ما جبلت(1) القلوب معه على محبته، وتواطأت الألسنة على معرفة حقه. وهو بحر لا يساجل(2)، لو ذهب ذاهب يصف ما اتفق له من ذلك لاستوعب الطوامير(3). ثم قوى في خاطره إتيان ثلاء من البلاد الحميرية لحاجة عرضت، (ولبانة)(4) سنحت. فخرج من (ذي بين)(5) وكان قد نزله وأقام فيه سنين، فتسامع به الناس في طريقه، فحفوا به، واكتنفوا بركابه حتى دخل ثلاء في خلق كثير، وحفل عظيم، وتحدث الناس عن لسان حال الإمام لما كانوا يرتقبونه، ويؤملونه؛ وتلقاه إذ ذاك المشائخ الأجلاء آل منصور بن جعفر - ورئيسهم يومئذ الشيخ سيف الدين صدر العرب منصور بن محمد - بالإنصاف والإتحاف، وألقوا بنفوسهم منحطين بين يديه باذلين له النصرة بالنفوس والحصون والأموال، فلم ير إلا القيام مستخيرا لله تعالى، واثقا به، ومتوكلا عليه، ومتبرئا من الحول والقوة إلا به، فقام داعيا إلى الله تعالى على سنن آبائه الأكرمين، متحليا بحلية الإمامة، ناهضا بأثقال الزعامة، مشتمرا(1) على نصف الساق، سائقا أعداء دين جده - صلى الله عليه وآله وسلم - أعنف مساق، غير واه ولا وان حتى أسمع الناس من قاص ودان، لم يعقه(2) ريب المبطي ولا أناة الملتكي.، حتى خفقت بنوده، ووفرت جنوده، وأرعدت فرائص الكافرين، وزلزلت أقدام الجاحدين، ولما ولي هذا الأمر العام ازدادت جلالة(3) الفضل، وحصا البندقية على الحك وضوحا وظهورا، واستطارت في الآفاق نورا، فصار له من سعة /184/ الصدر ولين الجناب، ودماثة(4) الأخلاق، واحتمال السداد، والاضطلاع بالأعباء الثقال ما يشينه الشامة، ولا يزري في الخاصة والعامة قال:

متبذل في القوم وهو مبجل ... متواضع في الحي وهو معظم

يعلو فيعلم أن ذلك حقه ... ويذل فيهم نفسه فيكرم

لا يحسب الإقلال عدما بل يرى ... أن المقل من المروءة معدم

تفيض يداه على العفاة، لا ينحو به التعقيب ولا يرهقه.

تعود بسط الكف حتى لو انه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله

عطاء لو اسطاع الذي يستميحه ... لأصبح من بين الورى وهو عاذله

هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبحر ساحله

وله من دماثة الرأي، ورصانة الحلم، ورسوخ النظر، ويقظة القلب ما هو ظاهر السبيل، واضح الدليل. [انتهى ما نقل من إنشاء الشيخ أحمد الرصاص].

Page 330