267

علي اليوسفي - رحمه الله - كان رئيسا جليلا ساميا مهيبا، من أعضاد الدين، وأعمدة المسلمين من أهل الحمية على الإسلام، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتولى الأعمال الكبيرة في صعدة لوالده - رحمه الله - ولأخيه، وكمل، وسارت بذكره الركبان، وقد كان تولى (الشرف)، ثم تولى صعدة المحروسة، وكانت أيام الشدة وهو أميرها وسلطانها، فأحفل(1) إليه القريب والبعيد وآوى إليه أرباب البيوت، فأنزل الجميع منازلهم، وأطعم الطعام، وكان وجوده من رحمة الله بخلقه في تلك الشدة، وكان يأمر باصطناع الطعام الواسع، ثم يأمر بتفريقه بالليل على أيدي أهل الفضل، وممن أحب أن يتولى ذلك القاضي الرئيس الحسن بن علي الأكوع، والفقيه الفاضل صالح (بن صلاح)(2) العفاري، واستمر على ذلك الإحسان حتى عطف الله بعواطفه، ومع ذلك فهو يجيز الشعراء بالمنح والرغائب إلى صنعاء وغيرها، ولذلك مدحه الكثير من الفضلاء. وادخر عدة للحرب كاملة، ولما كان الفتح على أعداء الله الذي /163/ تعقبه الفتح المبين، كان من حسن تدبير الله ما ألهم إليه الإمام المؤيد بالله الذي هو خريت(3) البهم الماهر، فجعل إخوته الثلاثة قلبا وجناحين، فجعل هذا الشمسي في أوساط الجهة في السمت ما بين صعدة وصنعاء، وجعل الحسن - رضي الله عنه - الآتي ذكره في الجانب الشرقي، والحسين - أعاد الله من بركته - في الجانب الغربي، وأوقعوا بأعداء الله الوقائع، وأنزلوا بهم الروائع حتى استقامت القناة العلوية، والحمد لله رب العالمين، ثم استقرت ولايته على بلاد حاشد وبكيل والمغرب إلى ما يصاقب (كحلان) من (ثلا) وبلادها (وقارن)(4) وغير ذلك، وكان أيام إقامته بصعدة قرأ على شيوخ قرنه بهم والده، ثم أخوه - عليهم السلام - من أجلاء العلماء كالقاضي علي المسوري وصنوه سعد الدين فإنهما كانا من أهل العهدة الدينية والدنياوية، والقاضي سعيد الهبل، وكان محفوفا بعلماء أكابر كالسيد داود بن الهادي، والسيد علي بن إبراهيم الحيداني، وكان عنده من أهل الرأي والحرب من ذكرنا، والحاجان الكاملان أحمد بن عواض الأسدي، وأحمد بن علي بن دغيش الصريمي العبشمي(1)، وكان إليهما النهاية في الحزم والكمال، فأما الحاج أحمد بن عواض فما أشبهه بأبي السرايا - رحمه الله تعالى - وله مع ذلك تفقه وعرفان على قواعد الأئمة، وأما الحاج أحمد بن علي فكان صاحب رأي يشبه الحباب بن المنذر كما قال بعض أعيان وقته جهلت من هو، وهو أحد رجلين القاضي عامر بن محمد أو الحاج أحمد ما لفظه أو معناه: الرأي عند الحاج أحمد بن علي بن دغيش أو كما قال. وكان متورعا، ولا يأكل من ذبائح العامة المحكمين للطواغيت كبلاد بني جماعة وبني خولي(2)، وصبر على ذلك، وكان لا يتوضأ من آنية الأدم التي من ذبائحهم، وكان الإمام القاسم - عليه السلام - يتوضأ منها، ويتعمد أن يفعل ذلك، والحاج - رحمه الله - يرى عند أن يقوم الخطيب إلى المنبر، وكانت الجن يقرأون على الحاج المذكور - رحمه الله - وهذا عارض لكنه مقارب لما نحن فيه، فلما سكن السيد شمس الدين أحمد بن الإمام بعد وضع الحرب أوزارها بصنعاء قرأ على القاضي العلامة إبراهيم بن يحيى السحولي والقاضي العلامة أحمد بن سعيد الهبل، وكان يحضر مقامهم الفضلاء، وعمر الجامع المقدس في الروضة وهو من عجائب الدنيا، أما في الإقليم اليماني فما له نظير وإن كانت البلاد اليمنية المباركة معمور فيها المساجد الكبار، فهذا فيه كيفيات، وما ترك وجها محسنا إلا فعله، فهو في الغاية، ووقف له أوقافا واسعة - أعاد الله من بركته- وتولى قبله(1) ذلك الجامع الفضلاء، وهو الآن نقطة البيكار ودرة التقصار، وكما يقال: روضة في الروضة، بلغنا أن الأعاجم/164/ يكتبون في نقوشهم صورته. وبعد موت الإمام المؤيد بالله دعا دعوة، اختلفت ساحاتها بالإجابة، وخطب له على المنابر جميعها إلا ما كان بالمدن الوسطى من اليمن وضوران، ثم كانت أمور عادت إلى السلامة واستقرت هذه الدعوة المتوكلية المسعودة عمر الله بها الإسلام وأهله، وتولى المولى شمس الدين صعدة وبلادها عن أخيه، ثم انتقل إلى جوار الله بها، وعمرت عليه قبة فائقة الشكل بحيث إنها زينة(2)، وقد ذكرنا أنها قيلت فيه المدائح فلنذكر من ذلك ما تيسر - إن شاء الله تعالى - من ذلك ما مدحه به السيد العلامة صلاح بن عبد الخالق الحجافي(3) - رحمه الله تعالى -:

ما أصبح الجود يدعى أشرف الرتب ... إلا وفي نيله الأقصى من التعب

ولو حوى كل مجد غيره ملك ... من السياسة والإقدام والأدب لعد عطلا من المجد الرفيع وإن ... حوى يسيرا فليس الرأس كالذنب

Page 296