ذهبت إلى حمص من بعلبك والمسافة بينهما نحو ساعتين في القطار، يرى المسافر في خلالها سهل البقاع المشهور، وهو معروف بترابه الأحمر وخصبه الكثير وغلاله الوافرة، وقد مررنا بضياع بهية في هذا الطريق، وكان منظر جبل لبنان مرافقا لنا في أكثرها حتى بحيرة نهر العاصي التي يخرج منها النهر المعروف بهذا الاسم وغيره، طولها 14 كيلومترا، ويمر هذا النهر - وهو المعروف عند القدماء باسم أورونتس - في حمص وحماة والجسر وأنطاكية ويصب في البحر عند السويدية. وأمام البحيرة سد قديم العهد كان يراد منه حفظ الماء فيها إلى حين اللزوم. وأما مدينة حمص فتبعد نحو ثلث ساعة بالعربة عن محطتها، ذهبت منها إلى فندق خارج نطاق المدينة، وقد كثرت من حوله المزارع والأشجار. بلغ سكان حمص نحو 50 ألف نفس.
والداخل إليها يرى إلى اليمين قلعة قديمة متردمة، قيل إنها من أيام الصليبيين، ويليها بيت لسعادة عبد الحميد باشا الدروبي فسراي الحكومة، وإلى الجهة الأخرى منها حديقة اسمها المنشية، وثكنة متخربة من أيام إبراهيم باشا المصري، ويلي ذلك إلى جهة اليمين الثكنة الحالية بما فيها من الجنود، ثم سوق كبيرة تعرف هنا باسم سوق الحسبي، وهي مثابة العربان الذين يأتونها من الضواحي والقرى؛ لبيع الصوف والسمن ولمشترى بعض اللوازم. وقد اشتهرت حمص بمنسوجاتها الحريرية والقطنية، فيها عشرة آلاف نول أو نحو عشرين ألف عامل على الأقل، ومصنوعاتها رخيصة ومتينة، ولكن الأجانب أضروا بها كما أضروا بصناعة الشرق في كل مكان، وفي حمص مدرسة للصبيان أسستها الجمعية الفلسطينية الروسية عدد طلابها نحو 700 وينفق عليها من الجمعية المذكورة ومن طائفة الأرثوذكس في البلد، ومدرسة للبنات فيها نحو 400 طالبة. وقد زرت الكنيسة فرأيت في صدرها الأيقونسطاس من الرخام الأبيض كتب عليه «من إحسانات الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية»، وكان نيافة المطران أثناسيوس غائبا، ولكني سمعت ثناء عاطرا على أعماله، وهي في حي النصارى، وهو قديم مزدحم البناء، بنيت منازله بالحجر الأسود، وليس لها شرفات، فالسائر في شوارع حمص الضيقة لا يرى غير الجدران السوداء في وجهه، ولكن الطرق نظيفة والبيوت من الداخل جميلة في بعضها البرك والحدائق تسقى من ماء نهر العاصي. وأما البيوت الصغيرة فيجلب الماء إليها بالقرب على طريقة المدن المصرية في أحيائها الوطنية، وهي شائعة إلى الآن.
وأشهر متنزهات حمص موضع اسمه ميماس على ضفة النهر، قامت إلى جانبيه الأشجار والأغراس، ولا سيما الأشجار المثمرة، وأهمها هنا الرمان ينمو نموا عجيبا. وميماس تبعد نحو ثلث ساعة عن حمص، وهي كثيرة الجمال بمروجها الخضراء وحدائقها الغضيضة، وفيها مثابات للناس يأتونها بالعربات أو على الخيل والحمير أو مشيا على الأقدام. ونهر العاصي يجري في هذه الجهة بقوة كبرى، ويجتمع حول ضفافه عشرات ومئات من المتنزهين كل يوم.
حماة
ذهبنا إليها من حمص، والمسافة بينهما نحو ساعتين بالقطار، يرى في خلالها جبال النصيرية، وبينهما محطتان صغيرتان. وحماة مدينة جميلة، عدد سكانها نحو 60 ألفا، ونهر العاصي يخترقها ويشطرها شطرين، وهي كثيرة البساتين والحدائق، حتى إن مجموعها ليعد متنزها يسر الناظرين، في طرفها آثار القلعة القديمة، وقد أصبحت تلا من التراب ارتفاعه 300 متر، والناظر منه يرى جبل زين العابدين وسهولا تمتد إلى حلب. ومدينة حماة من هذا المكان تظهر بكل أحيائها وأجزائها المتعرجة التي ترويها السواقي المعروفة عندهم باسم ناعورة (ساقية) يأنس الناس إلى صوتها في الليل والنهار، وهي تدفع إليهم الماء فتروي الحدائق والمنازل، وعندهم منها عدد كبير. وقد درت في المدينة فكنت أرى من حدائقها الشجر الباسق فقط؛ لأن أسوار المنازل هنا عالية بداعي الحجاب الشرقي، وفي وسط المدينة مواضع خالية لا غرس بها ولا بناء، هي مرابض للجمال التي يكثر ورودها مع العربان والفلاحين ينتابون أسواقها الكثيرة، وأهمها السوق الطويلة، وهي طويلة بالفعل ولها سقف يقي الناس حر الشمس وماء المطر، وفي حوانيتها كثير من الأقمشة الإفرنجية والسلع المختلفة.
وفي كل أسواق حماة وكالات واسعة تضم تجار العرب، ومعهم جمالهم والغلال التي أتوا لمبيعها. وفي هذه المدينة جامع السلطان، وهو كبير واسع وكرسي مطران الروم الأرثوذكس وكنيستهم. وفي حوش الكنيسة مقام المطران وقبور الموتى، وهي طريقة قديمة في الدفن جروا عليها هنا إلى الآن. وفي هذه المدينة ديوان (سراي) للحكومة جميل، بني في شارع واسع نظيف ينار بمصابيح الغاز، وإلى جانبيه صفوف من شجر الزنزلخت. وقد قصدت في آخر النهار قهوة السعدية على ضفة النهر، فألفيت الناس فيها يجلسون إلى كراسي واطئة أو يفترشون الحصر ويقعدون إليها، ولا يشربون إلا القهوة أو عرق السوس، وأما المسكرات فلا. والنهر عريض عند هذه المثابة، تكثر على ضفافه أشجار الحور والصفصاف والدلب والزنزلخت والقصب، ويسمع صوت هاتيك النواعير أو السواقي من كل جهة، وتجري في النهر هنا زوارق صغيرة يستأجرها بعض المتنزهين. وقد متعنا الأنظار بكل هذه المشاهد في وادي نهر العاصي، وعدنا من حماة إلى مصيف صوفر الذي كان مقرا لنا مدة هذه الرحلة.
دمشق
إن الطريق ما بين بيروت ودمشق من أجمل الطرق وأكثرها لذة؛ لأن المسافر بها يرى البحر والأنهار والجبال والأودية والغور والنجد والسهل والقمة، والشجر والخضر من كل الأشكال. والقطار ينساب ما بين هاتيك القرى والعمائر متخللا كروم العنب وغياض الزيتون والصنوبر والتين والتوت، وغير هذا مما ذكرناه في وصف المشاهد السابقة. والمسافة بينهما في القطار 10 ساعات لا يملها المرء، ولا يميل إلى انقضاء زمان المرور في وسطها. والمحطات كثيرة قريب بعضها من بعض، وعددها 25 محطة، هي بيروت وبعدها بخمس دقائق الكرنتينا، وبعد ذلك بربع ساعة الحدث، يرى منها مطرانخانة الروم الأرثوذكس التي بناها السيد بولس مطران جبل لبنان. والطريق إلى هذه المحطة كلها بساتين ومزارع تكثر فيها أنواع الفاكهة والخضر، ثم محطة بعبدا، وهي مقام متصرف لبنان في الشتاء. وعلى مقربة منها قبر فرانكو باشا المتصرف السابق، ويبدأ القطار بعد بعبدا بالصعود في الجبل فيبلغ محطة الجمهور، تباع فيها الفواكه والخبز المرقق يكاد يكون قطر الرغيف ذراعا، وهو مستدير رقيق كالورق الخفيف يصنعونه في قرى سورية، ولا خبز سواه في كثير منها. ويلي ذلك عاريا ثم عالية فبحمدون فصوفر، وكلها من المصايف التي سبق ذكرها.
وبعد صوفر يدخل القطار في نفق، ويخرج منه إلى ظهر البيدر، وهو يصعد صعدا إلى جبلين. وهذا المكان مرتفع 1487 مترا عن سطح البحر، وهو أعلى نقطة في هذا الطريق، ينحدر القطار بعده إلى محطة المريجات، حيث يرى المرء سهل البقاع المشهور - وقد تقدم الكلام عنه - وهو من السهول الأريضة التي لا يخلو قيد شبر فيها من الزرع، وعرضه يختلف من 7 كيلومترات إلى 10، وبساتينه تحكي غوطة دمشق. ويلي ذلك محطات جديدة وسيدنابل وبعد معلقة زحلة - التي سبق وصفها - يقوم إلى رياق، وهي ملتقى الأرتال، يتفرغ منها خط حمص وحماة وحلب الذي ذكرناه. ولا يزال القطر مجدا من هنالك في وسط السهول المرتفعة حتى يبلغ محطة يحفوفة، تظهر في الطريق جبال تناطح السماء، ثم محطة سرغايا، وهي واقعة في منفسح من الأرض، مع أن العلو هنا يبلغ 1371 مترا، ثم يدخل في سهل الزبداني، وفيه مدينة بهذا الاسم، عدد سكانها نحو 20 ألفا، ولها شهرة ذائعة بأثمارها وفاكهتها لا تفوقها شهرة موضع في بلاد الشام. وتليها قرية بلودان، وهي مكان جميل كثير الأشجار، رقيق الهواء غزير الماء، وقد ارتفعت كل هذه الأماكن عن البحر ارتفاعا كبيرا. وبعد محطات أخرى صغيرة يدخل القطار وادي بردي، ثم يبلغ محطة عين الفيجة، حيث يتفجر الماء من نبعين شهيين عذبين، ويتكون منهما الماء الذي يجري في وسط مدينة دمشق، ويسقي منازلها وحدائقها المشهورة. وتلي ذلك محطات أخرى، هي الهامة ودمر والبرامكة، وهذه منتهى الطريق، كلها بساتين وحدائق ومزارع تسحر الأنظار، وقد اشتهر جمالها من قدم حتى عرفت مدينة دمشق بها من عدة قرون، وربما لم يكن في أوروبا متنزه أجمل من الأمكنة الواقعة ما بين عين الزبداني ودمشق، وهو يجتازه القطار في أكثر من ساعة، ولا تشبع العين والنفس معا من النظر إليه.
هذا موجز مما يقال في طريق قليل مثله بين طرق الأرتال في سائر الأقطار. وأما مدينة دمشق الفيحاء، واسمها بين العامة الشام، فمن أقدم المدن الوارد ذكرها في التاريخ، والبعض يذهب أنها أقدم مدينة باقية على عظمتها إلى الآن، قامت فيها دول سورية وآشورية وكلدانية كثيرة، وتغلب عليها الفاتحون الأجانب مرارا حتى ملكها الفرس زمانا، ثم انتقلت من حوزتهم إلى قبضة اليونان حين استولى إسكندر المكدوني على كل مملكة إيران القديمة، وانتقلت إلى الرومان على عهد القيصر تراجانوس في سنة 105 بعد المسيح، فظلت من أشهر أجزاء ملكهم إلى أيام الفتح العربي، حين سير الخليفة أبو بكر الصديق جيشا من العرب تحت قيادة خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح، وقد دخلها هذان القائدان من بابين، وأحدهما جاهل بما فعل الآخر، غير أن أبا عبيدة دخل مهادنا مصالحا وخالد دخل قاتلا ضاربا، فلما التقى الرجلان في أسواق دمشق، وكل منهما على حالة، تخالفا وتعاتبا، ثم تشاور الزعماء واتفقوا على اتباع رأي أبي عبيدة ومصالحة أهل الشام، وقد ولي معاوية بن أبي سفيان ولاية الشام بعد الفتح المذكور، وهو الذي استبد بملك العرب بعد ذلك، وأسس الدولة الأموية، وجعل دمشق قاعدة أحسن السلطنات العربية من سنة 660 إلى 735 مسيحية. وقد ظلت البلاد من أملاك العرب على عهد الدولة العباسية وملوك الطوائف والمماليك والشركس والأكراد. وحدثت في أيام دولتهم على عهد صلاح الدين الأيوبي حروب لهم مع الصليبيين، فحاصرها من ملوكهم لويس السابع ملك فرنسا مع كونراد أمير جرمانيا سنة 1148، ولكنهما لم يتمكنا من فتحها، وسنة 1401 دخلها تيمورلنك التتري كما دخل غيرها في غزوته الكبرى، وقد فتك بأهلها ونقل الصناع منهم إلى بلاده، ثم أضرم النار في مبانيها. وسنة 1561 دخلت في حوزة الأتراك فتحها السلطان سليم الأول، فهي تابعة لدولتهم إلى الآن، وحكمها إبراهيم باشا المصري من سنة 1832 إلى 1840، ثم عادت إلى قبضة آل عثمان.
Unknown page