هي أكبر مدن لبنان طرا، ومن أكثرها جمالا وثروة، وأحسنها موقعا وهواء. ذهبت إليها من صوفر، فلما بلغت محطة المعلقة ركبت عربة قامت تجري في وسط طرق منظمة إلى جانبيها مجاري الماء وشهي الأغراس والأشجار، وقد بنيت مدينة زحلة إلى جانبي واد كبير، ونهر البردوني يجري بين الشطرين، وإلى ضفتي هذا النهر من هنا ومن هنا أشجار الدلب والصفصاف والحور والصنوبر والزنزلخت، وقد بنوا من فوقه جسرا ليعبر الناس عليه من جانب إلى جانب. ولما كانت زحلة مدينة عامرة، فقهاويها وفنادقها كثيرة، ومروجها الخضراء عند مجرى الماء من أشهى ما وقعت عليه العين . وأهل زحلة ميالون إلى الطرب، فيكثر أن تسمع في هاتيك المروج أصوات المغنين أو آلات الطرب، ثم إن لوازم المعيشة فيها كثيرة ورخيصة ولا سيما الفواكه وأخصها العنب، فإن في كروم زحلة المشهورة نحو عشرين نوعا من العنب الشهي، حتى إن بعضهم يقصد هذه المدينة للاستشفاء بهوائها ومائها وعنبها. وأحسن موضع ترى منه مناظر زحلة هو بناء الحكومة الجديد في ساعات النهار، وأما في الليل فإن منظر هذه المدينة يحلو من الوادي أو ضفاف البردوني؛ لأن الواقف هنالك يرى الأنوار ساطعة من جانبي الوادي متصلة من مجرى الماء إلى أعلى الجبل في الجانبين.
وقد اكتريت عربة من زحلة، وذهبت بها إلى حدائق تعنايل للآباء اليسوعيين، وهي - أي تعنايل - واقعة في سهل البقاع الذي يتصل بزحلة، وله بها علاقات زراعية وتجارية كثيرة، فلما بلغت ذلك المكان بعد ساعة رأيت العجب من إتقان العمل على الطريقة الفرنسوية؛ فإن القوم قاموا بعمل لم يجارهم في مضماره غير الخواجات بولاد المشهورين ببيع نبيذ لبنان. وقد غرسوا كروم العنب على الأسلوب الفرنسوي وزرعوا ألوفا من أشجار الفاكهة الأخرى جاءوا ببعض بذورها من أوروبا، وأنموها في ذلك المكان المعتدل الهواء، فهم يستخرجون الخمور أنواعا، ويصنعون مربيات الأثمار أشكالا من التفاح، والخوخ والسفرجل والبرقوق وغير ذلك، ويرسلون هذا كله إلى أوروبا. وقد قابلنا مدير هذه الحدائق، ودار معنا بنفسه يفرجنا متلاطفا، وكان معنا في أثناء هذه الزيارة بعض المعارف من القطر المصري، وعندهم هنالك مدرسة زراعية صغيرة لتعليم أولاد الجبل، وفي هذه القرية أيضا حديقة غناء للوجيه الخواجا نخلة تويني تكثر فيها أشجار التوت لتربية دود الحرير وأنواع شتى من أشجار الفاكهة.
ظهور الشوير:
هي قمة عالية فوق قرية الشوير المشهورة التي أنشئت فيها المطابع العربية من أكثر من مائة عام، أي قبل دخول المرسلين الأجانب الذين أنشئوا مطابعهم الكبرى، وطبعت هنالك عدة مؤلفات عربية وكتب مقدسة من زمان بعيد.
بلغنا يوم وجودنا في صوفر أنه سيقام في الشوير معرض صناعي في 10 أوغسطس يحضره المتصرف، فعزمنا على الذهاب إليه مع حضرة الوجيه الخواجا جورج قرداحي، والمسافة بالعربة من صوفر إلى ظهور الشوير نحو 5 ساعات في جبال حمانا وأرصون وصليما وبعبدات وظهور الشوير، والعربة تدور من حول هذه الجبال كلا في دوره، فهي تارة في صعود وطورا في هبوط، ولكن المسافر لا يمل من طول الطريق وتكرار النزول والصعود؛ لما أن المناظر جميلة متنوعة وأشجار الصنوبر وغيرها إلى جانبي الطريق، وفيها عدة حانات إلى جانب عيون الماء تباع فيها المأكولات والمشروبات، ويستريح فيها المسافرون بين شهي المناظر الطبيعية، وقد يمر المرء بأبعاد ليس فيها زرع، بل إن صخورها ظاهرة وبعض هذه الصخور ضخم، رأيت واحدا عند دير مرحاتا يشبه في شكله تمثال أبي الهول الكائن عند أهرام الجيزة.
سرنا بالعربة من صوفر وارتقينا جبل حمانا ثم هبطنا وادي حمانا، وهو من أخصب أودية الجبل تكثر فيه أشجار التوت، وقد تسلقت غصون اللوبياء على أصوله وجذوعه حتى أصبحت الأرض كلها خضراء كالزمرد، وعدنا إلى الصعود حين بلغنا جبل أرصون، وتكثر فيه غابات الصنوبر، وقد استرحنا عند عين أرصون قليلا، حيث تباع المأكولات والفواكه، وسرنا بعد هذا بجسر أرصون وقرية العربانية، وجسر الجعماني حتى إذا انتهينا من ذلك دخلنا الجبل الثالث، وفيه قرية صليما، فالجبل الرابع وفيه قرية بعبدات، وهي مشهورة تتفرع منها الطرق أحدها إلى برمانا وبيت مري، وآخر إلى ظهور الشوير، سرنا به إلى جبل الشوير، وهو الخامس من حلقات هذه السلسلة التي اخترقناها، وقد استرحنا مدة عند عين عرعار، وهو نبع يتدفق ماؤه بين الصخور، وله منظر في غاية الجمال، ومررنا بقرية مرحاتا ودير مار موسى حتى بلغنا ظهور الشوير، ونزلنا في فندق كيرلس، وهو على أكمة قائمة بنفسها في ذلك الجبل الشاهق، يعلو عن سطح البحر نحو 1190 مترا، وهو يعد من أجمل المصايف وأحسنها؛ لأن هواءه جيد جدا، وأرضه مع ارتفاعها كثيرة الكروم والبساتين والغابات، وقد كثرت فيه العمائر والفنادق الآن بعد أن تهافت المصطافون عليه في الزمن الأخير، والمرء يرى من هنا الجبال العديدة متصل بعضها ببعض إلى بعد باعد، وقد زاد حسن الشوير عام زيارتنا لها بوجود المعرض الذي أشرنا إليه، وهو من عمل أحد أدباء الشوير اسمه فارس أفندي مشرق أقام زمانا في أميركا، وتعلم من أهلها طرق العمل والنهضة، فأنشأ هذا المعرض بعد رجوعه إلى وطنه، وهو أول معرض لبناني من نوعه، وقد أم هذا المعرض نحو خمسة آلاف نفس من المدعوين وغيرهم، ولما جاءه المتصرف قابلته اللجنة بالإكرام وصدحت الموسيقى بالنشيد اللبناني، ثم ارتقى منصة، فتليت بين يديه الخطب والقصائد بالعربية والتركية والفرنسوية، ثم دار مع المتفرجين في أجزاء المعرض، وكان فيه أوان فضية، ودخان كوراني لف على طريقة السيجار الإفرنجي، وأجراس وطنافس وصور مناظر لبنان مطرزة باليد على القماش ومنسوجات حريرية وقطنية ورياش وأسلحة، وكلها مما صنع في قرى لبنان.
بكفيا:
قرية جميلة كثيرة العمائر الجديدة، ولأهلها شهرة بالجد والإقدام، وهي تبعد أقل من ساعة عن ظهور الشوير.
برمانا:
من القرى الجميلة، اشتهرت بمدارسها وفنادقها ومستشفياتها ، ففيها مدارس داخلية للبنات والصبيان، بعضها للإنكليز والبعض للفرنسويين، وفيها فندقان عظيمان وفنادق أخرى، وهي تبعد ساعتين ونصف ساعة عن بيروت بالعربة، والناس يرغبون في قضاء الصيف فيها. وقد أقمنا في فندق بونفيس، وهو بناء جميل يفضل فندق صوفر في حسن موقعه؛ لأنه بني على هضبة قائمة بنفسها يرى المرء منها البحر، وكل ما تقدم ذكره من مصايف لبنان.
Unknown page