Fatāwā al-imām al-nawawī al-musammā: biʾl-masāʾil al-manthūra
فتاوى الإمام النووي المسماة: "بالمسائل المنثورة"
Publisher
دَارُ البشائرِ الإسلاميَّة للطبَاعَة وَالنشرَ والتوزيع
Edition
السَادسَة
Publication Year
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
Publisher Location
بَيروت - لبنان
Regions
•Syria
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
فَتَّاوَى الإِمامِ النَّوَوَيِ
المُسمَّاةِ: "بالمَسَائِل المنْثورَةِ"
ترتيبُ: تلميذه الشيخ عَلَاء الدِّين بن العَطّار
تحقِيق وتعلِيق: محمَّد الحجَّار
قوبِلَت عَلى نسخَةٍ خطيّةٍ قديمَةٍ
دَارُ البشائرِ الإسلاميَّة
1 / 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
"مّنْ يُردِ اللَّهُ بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْه في الدّيِن".
حَديْث شريف
حُقوُق الطّبْع محَفُوظة
الطبعَة السَادسَة
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
قامَت بطباعَته وَإخرَاجه دَارُ البشائرِ الإسلاميَّة للطبَاعَة وَالنشرَ والتوزيع بَيروت - لبنان - ص. ب: ٥٩٥٥ - ١٤ وَيُطلب مِنهَا
1 / 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقَدمة
نَحْمَدُكَ يَا مَعْبُودُ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ يَا ذَا الْفَضْل وَالْجُودِ، وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلى نَبِيّكَ أفْضَلِ مَوْجُوْدٍ، وَنتَرَضَّى عَلَى صَحْبِهِ الكِرَامِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعيهِمْ بإحْسَانٍ. وبعد؛ فَإنَّ مِنْ أهَمِّ الْقُربَاتِ الَّتي تَصِلُ الْعَبْد بِرَبّهِ ﷿، نَشْرَ الكُتُبِ الشَّرْعِيّةِ الَّتي تُبيِّنُ الْحَلالَ من الْحَرامِ، وَلاَ سِيَّمَا في زَمَانٍ رَاجَ فِيهِ الْجَهْل، وَكَسَدَ فيهِ الْعِلْمُ. وَلَمَّا كانَ (كِتَابُ الْفَتَاوى) مِنَ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ النَّافِعَةِ، حَمَلَنِي ذَلِكَ عَلَى خِدْمَتهِ، فَشَرعْت بهِ مسْتَعِينًا باللهِ مَعَ عَجْزِي الْحِسَّي، وَقِلَّةِ بضَاعَتِي الْعِلْمِيّة، متَبرِّكًا بِكِتَابِ هَذَا الِإمَام، وراجيًا أنْ يُدْخِلَني في عِدَادِ خَدَمَةِ الْعِلْمِ والعلماءِ. وَلَقَدْ عَثَرنَا - وَالْحمدُ لله- عَلى نُسْخَةٍ مَخْطوطَةٍ في الْمَكتَبةِ الأحْمَدِيَّةِ في حَلَب الْمَحْمِيَّةِ، وَأشَرْنَا في الْحَاشِيَةِ إِلى الْكَلِمَاتِ الْمُخالِفَةِ مِنْ زِيَادةٍ أوْ نَقْصٍ، أوْ تَخَالُفٍ في اللفْظِ بِإشَارَةِ (أ) رَمْزًا للأحْمَديّةِ، وَأضَفْتُ عَلى الطَّبعة الخامسة بَعْضَ الْفَوائِدِ وَالْمَسَائِلِ، ثُمَّ أضَفْتُ فِهْرِسًا جَدِيدًا للكتابِ تَسْهيلًا لِلْمراجعةِ، فَرَحِمَ الله الْمؤلِّفَ، وَغَفَرَ لِلْمُصَححِ، وَتَقبَّلَ عَمَلَ الْمُساهِم في نَشْرِهِ، والمشجعِ على طَبْعِهِ.
١٤١٠ هـ المدينة المنورة نَزيل المدَينة المُنورة الفقِير إليه تعالى محمَّد الحجَّار
1 / 5
ترجمة المؤلف
رحمه الله تعالى
حمدًا لله جل وعلا، وصلاة وسلامًا على سيدنا محمد مَنْ بأخلاق الله تَحَلَّى. وبعد؛ فلقد رأيت من اللازم عليَّ، أن أذكر بعضَ مآثر الإِمام المؤلف، وموجزَ حياته، متبركًا بأستاذنا وإمامنا وقدوتنا، عَلَمِ الأعلام، وقدوة العبَّاد، ومفخرة الزهاد، الذي ترك أثرًا حسنًا لا يُنسى، وعلمًا غزيرًا لا يَدْرُسْ، وورعًا صحيحًا أتعب مَنْ بعده مِنَ الخلف، وذكَر الناسَ عمليًّا بحياة السلف. عزفت نفسه -رحمه الله تعالى- عن الدنيا، فصام نهارَها وقام ليلها، وزهد في مناصبها، فما نال منها ولا نالت منه، عاش عيشةَ المتواضعين النبلاء، ومات ميتة العارفين السعداء.
فَاللهَ أسأل أن ينفعني به على قدر حبي له، واعتقادي به؛ وأن يَسْعِدَني وإخواني وأحبابي بعباده الصالحين، وبالعلماء العاملين.
فأقول: نقلًا عن النسخة القديمة مع بعض التصرف:
هو الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الدمشقي محرر المذهب ومهذبه، ومحققه ومرتبه، إِمام أهل عصره عِلْمًا وعبادة، وسيدُ أوانه ورعًا وسيادة، العَلم المفرد، عابدُ العلماءِ، وعالم العُبّاد، وزاهد المحققين، ومحقق الزهاد، لم تسمع بعد التابعين بمثله أذنٌ، ولم تر ما يدانيه عينٌ، راقبَ الله في سره وجهره، ولم يبرح طرفةَ عين
1 / 6
عن امتثال أمره، ولم يضيع من عمره ساعةً في غير طاعة مولاه، إلى أن صار قطبَ عصره، وحوى من الفضل ما حواه، وبلغ ما نواه، فشرفَت به نواه، ولم يلْفِ له من ناواه (١).
كان مولده ﵀ في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقدم دمشق سنة تسع وأربعين وستمائة، فسكن في الرواحية، واشتغل بالعلم، فحفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع المهذب حِفْظًا في باقي السنة على شيخه الكمال بن أحمد، ثم حج مع أبيه، وأقام بالمدينة شهرًا ونصفًا، وسمع من الرضي بنِ البرهان، وشيخ الشيوخ عبدِالعزيز بنِ محمد الأنصاري، وزينِ الدين بن عبد الدائم، وعماد الدين عبد الكريم الخرستاني وكثيرين.
وتخرَّج عليه جماعةٌ من العلماء منهم: الخطيب صدرُ سليمان الجعفري، وشهاب الدين أحمد بن جعوان، وشهاب الدين الإِربدي، وعلاء الدين بن العطار. وحدَّث عنه: ابن أبي الفتح، والمِزّي، وشمس الدين بن العطار. ومن تصانيفه: شرحُ صحيح مسلم، ورياض الصالحين، والأذكار، والأربعون النووية، والِإرشاد في علوم الحديث، والتقريب، والمبهَمات، وتحرير الألفاظ للتنبيه، والعمدة في تصحيح التنبيه، والِإيضاح في المناسك، وله ثلاثة مناسك سواه، والتبيان في
(١) نواه الأولى: من النية، نواه الثانية: بلدتُه نوى. ناواه الثالثة: عاداه، أي: لم يجد من يعاديه. اهـ.
وقال تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى:
لقيتِ خيرًا يا نوى ... وَوُقِيتِ مِنْ ألَمِ النَّوَى
فلقدْ نَشا بكِ عالمٌ ... للهِ أخْلصَ ما نوى
وعلى سِواه فضلُه ... فَضلَ الحبوبِ على النوى
ففيه ضربٌ من ضروب البلاغة وهو الجناس التام.
1 / 7
آداب حملة القرآن، وبستان العارفين، والفتاوى وهي المسماة بـ "المسائل المنثورة" وضعها غير مرتبة، ورتبها تلميذه ابن العطار، وزاد عليها أشياء سمعها منه، وغير ذلك من المؤلفات الكثيرة.
وكان له جملةُ مواقفَ مع الملوك: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وجاهد في سبيل الله حقَّ جهاده، ولم يخشَ في الله لومةَ لائم.
ولقد بسطت الحديث عنه في كتابه "بستان العارفين".
وفاته:
تُوفي ﵁ بعد زيارته بيتَ المقدس في الرابع والعشرين من شهر رجب: سنةَ ستٍ وسبعين وستمائة، ﵀ رحمة واسعة، وأسكنه فسيحَ جناته، ورفع درجاته، وجعله في أعلى عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين.
كتبه نَزيل المدَينة المُنوَّرة تم ١٤١٦ هـ الفقِير إليه تعالى محمَّد الحجَّار
1 / 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقَدّمة
الشيخ عَلَاء الدِّين بن العَطّار
الحمد لله ربِّ العالمين، خالقِ السموات والأرَضين ومنْ فيهن، ومدبرهن أجمعين. أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيدَ من فضله وكرمه.
وأشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أدَّخرها للقائه. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله أرسله رحمة للمؤمنين، ونقمة على الكافرين وجميعِ أعدائه، وعلى آله، وأصحابه، وأزواجه، وذريته صلاةً دائمة إِلى يوم جزائه.
أما بعد: فقد استخرت الله تعالى في ترتيب "الفتاوى" التي لشيخي وقدوتي إلى الله تعالى، أبي زكريا يحيى بنِ شرف النووي العالمِ الرباني -تغمده الله تعالى برحمته، وجمع بيني وبينه في دار كرامته- على أبواب الفقه ليسهل على مطالعها كشفُ مسائلها، ويظهرَ له تحقيقُها ودقائقُ دلائلها. والحق فيها من المسائل ما كتبته عن الشيخ ﵀ في مجلسه، مما سئل عنه ولم يذكره فيها، وما كان فيها من المسائل مما لا تعلق له بالفقه أورده (١) في أبواب في آخرها. وأنا سائل أخًا -انتفعَ بشيء منها- أن يدعوَ لمؤلفها ومرتبها.
(١) نسخة "أ": أفرده.
1 / 9
واللهَ أسألُ أن يجعل ذلك خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع بها من طالعها، وقرأها، وكتبها. وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقد قال مؤلفها -رحمه الله تعالى- في خُطبتها (١): ولا ألتزم فيها ترتيبًا لكونها على حسب الوقائع فإن كملت أرجو (٢) ترتيبها، وألتزم فيها الإيضاحَ وتقريبها إلى أفهام المبتدئين و(٣) من لا اختلاط له بالفقهاء لتكون أعمَّ نفعًا، وأحرص على إِتقانها وتهذيبها والِإشارة إِلى بعض أدلة (٤) ما قد يخفى منها، وإِضافة بعض ما يُستغرب منها إِلى قائله أو ناقله (٥)، وأقتصر على الأصح في معظم ذلك، ولا أذكر الخلاف في المسائل المختَلف فيها إِلا نادرًا لحاجة، وبالله التوفيق.
(١) خطب على المنبر خُطبةً بضم الخاء. وخطب المرأة خِطبة بكسر الخاء. اهـ. مختار.
(٢) نسخة "أ": رُجي.
(٣) نسخة "أ": بل بدل الواو.
(٤) نسخة "أ": الأدلة مما.
(٥) هذا من أمانة العلم وإخلاص العالم أن يَعزوَ القولَ لقائله، قال المؤلف: في كتابه "بستان العارفين" ومن النصيحة أن تُضاف الفائدةُ التي تستغرب إلى قائلها، فمن فعل ذلك بورك له في علمه وحاله، ومن أوهم ذلك فيما يأخذه من كلام غيره أنه له فهو جدير أن لا ينتفع بعلمه ولا يبارك له في حاله. اهـ.
1 / 10
قال ﵀:
مسألة: يستحب ابتداءُ كل أمرٍ له حال (١) يُهتم به بالحمد لله رب العالمين، وأن يُثنّى بالصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ للحديث المشهور: عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ﵁ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحمد للهِ فَهُوَ أجْذَمُ" (٢) حديث حسن.
مجامع الحمد، وأحسنُ الثناء
قال الشافعي ﵀: أُحِبُّ أن يقدم المرء بين يدي خُطبته وكلِّ أمر طَلَبَهُ حمدَ الله تعالى، والثناءَ عليه ﷾ والصلاةَ على رسول الله ﵌.
قال المتأخرون من أصحابنا الخراسانيين:
لو حلف إنسان ليحمَدنَّ (٣) الله تعالى بمجامع (٤) الحمد أو بأجَلِّ التحاميد، فطريقه في بِرِّ يمينه أن يقول: "الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا يُوافي نِعَمَهُ وُيكافىءُ مَزِيده".
ومعنى يوافي نعمه يلاقيها فتحصل (٥) معه، وقوله يكافىء بهمزة
(١) نسخة "أ": بال.
(٢) ذي بال: أي حال وشأن. وأجذم: أي أقطع. والمعنى ناقص البركة وقليلها. اهـ.
(٣) نسخة "أ": ليحمد.
(٤) نسخة "أ": بمحامد.
(٥) نسخة "أ": فيحصل.
1 / 11
في آخره (١) أي يساوي مزيد نعمه، ويقوم بشكر ما زاده من النعم والِّإحسان.
قالوا: ولو حلف ليثنين على الله تعالى أحسنَ الثناء فطريق البرِّ أن يقول: لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ. وزاد بعضهم (٢) فلك الحمدُ حَتى ترضى.
وصوّر أبو سعيد المتولي المسألةَ فيمن حلف ليُثْنِينَّ على الله تعالى بأجَلِّ (٣) الثناء وَأعْظَمهِ، وزاد في أول الذكر "سبحانك" والله أعلم (٤).
* * *
(١) نسخة "أ": آخرها.
(٢) نسخة "أ": للشيخ إبراهيم المروزي.
(٣) نسخة "أ": أجل.
(٤) الحمد: لغة: الثناء بالكلام على جميل اختياري على جهة التعظيم، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، وسواء كان جميلًا شرعًا كالعلم أو في زعم الحامد كنهب الأموال.
واصطلاحًا: فعل يُنبىء عن تعقيم المنعم من حيث كونُه منعمًا على الحامد أو غيره. اهـ. بشرى الكريم ١/ ٣.
1 / 12