Marāḥ Labīd li-kashf maʿnā al-Qurʾān al-majīd
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
Editor
محمد أمين الصناوي
Publisher
دار الكتب العلمية - بيروت
Edition
الأولى - 1417 هـ
لأن في الأول تعريفا بالفعل العجيب وهو الإرسال والإثارة، وفي الثاني تذكيرا بالنعمة فإن كمال نعمة الرياح والسحب بالسوق والإحياء كذلك النشور (9) ، أي إحياء الأموات في سهولة الحصول، فإن الأرض الميتة لما قبلت الحياة، اللائقة بها كذلك الأعضاء الميتة تقبل الحياة، وكما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت، وكما أنا نجمع القطع السحابية بالريح كذلك نجمع أجزاء الأعضاء المتفرقة بالروح. من كان يريد العزة فلله العزة جميعا أي من كان يريد يد العزة فليطلبها من عند الله بطاعته، لأنه لا عزة إلا لله، فإن المشركين كانوا يتعززون بعبادة الأصنام، ومن اعتز بالعبيد أذله الله، ومن اعتز بالله أعزه الله، إليه يصعد الكلم الطيب الذي يطلب به العزة وهي كلمة:
«لا إله إلا الله» ، والعمل الصالح يرفعه والضمير المستكن عائد ل «الكلم» فإن مدار قبول العمل هو التوحيد، ويؤيده القراءة بنصب «العمل» أو عائد ل «العمل» فإنه لا يقوى الإيمان بلا عمل، فإذا رجع الضمير البارز للعمل كانت الضمير المستكن عائدا ل «الكلم» كما تقدم أو لله تعالى. والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد أي والذين يكسبون أصناف المكرات السيئات لهم عذاب شديد، ومكر أولئك هو يبور (10) أي صنع أولئك هو يفسد ويهلك.
قيل: هي مكرات قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة في إحدى ثلاث: حبسه، وقتله، وإخراجه من مكة.
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أهل الربا. وقال مقاتل: في أهل الشرك بالله. وقال الكلبي: المعنى يعملون السيئات وعلى هذا فيكون هذا في مقابلة قوله تعالى: والعمل الصالح يرفعه وهو إشارة إلى بقاء العمل الصالح. وقوله: ومكر أولئك هو يبور إشارة إلى فناء العمل السيئ.
والله خلقكم من تراب ثم من نطفة، فكل أولاد آدم من تراب ومن نطفة، لأن كلهم من نطفة، والنطفة من غذاء، والغذاء ينتهي إلى الماء والتراب ثم جعلكم أزواجا أي أصنافا ذكرانا وإناثا، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه في وقته ونوعه وغير ذلك. وما يعمر من معمر، أي وما يمد في عمر أحد ولا ينقص من عمره أي عمر أحد إلا في كتاب، أي لوح محفوظ.
وعن سعيد: يكتب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل ذلك، ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي إلى آخره. وقيل: إن الله كتب عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ فهو كتاب والله تعالى بين كمال قدرته بقوله: خلقكم من تراب وكمال علمه بقوله تعالى:
وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه فإن ما في الأرحام قبل الانخلاق وما في البطن بعده لا يعلم أحد حاله كيف، والأم الحامل لا تعلم منه شيئا، ونفوذ إرادته بقوله تعالى: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب فبين الله إنه هو القادر العالم، المريد، والأصنام لا قدرة لها ولا علم ولا إرادة فكيف يستحق واحد منها العبادة؟! إن ذلك أي الخلق من تراب وكتابة الآجال على الله يسير (11) لاستغنائه عن الأسباب فكذلك البعث، وما يستوي البحران هذا
Page 277