Al-Maqāṣid al-ʿaliyya fī sharḥ al-risāla al-alfiyya

المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

[المدخل]

[مقدمة الشارح]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (1)

الحمد لله الذي شرع (2) فرائض الصلاة، وجعلها بعد الإيمان أفضل طاعات (3) العالمين (4)، وشرح غوامضها (5) بالبينات؛ إزاحة لعلل المكلفين، وأطرى في جلالة قدرها بقوله في كتابه المبين تنبيها للغافلين وإرشادا للجاهلين حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (6).

والصلاة والسلام على أفضل المصلين (7) والسابقين، وسيد الأولين والآخرين، محمد النبي وآله الطاهرين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.

وبعد، فهذه كلمات قليلة، مشتملة على فوائد جليلة، علقتها على الرسالة الشهيرة، السائرة في الأقطار مسير الشمس المنيرة، المشتملة على فروض الصلاة العينية، الموسومة بالدرة (8) الألفية، تفتح من معانيها مغلقها، وتقيد من مبانيها

Page 3

مطلقها، وتحل عقد معظلها، وتبين جمل مشكلها.

وضعتها مع قلة فراغ البال، وكثرة اختلال الحال، راجيا أن ينفع الله بها- كما نفع بأصلها- الطالبين، وأن يثبت لي بها قدم صدق يوم الدين، مازجا للأصل بالزوائد؛ تكثيرا للفوائد، وتصييرا لهما ككتاب واحد، معرضا في الغالب عن إقامة الدليل؛ حذرا من الإطناب والتطويل، وسميته (المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية)، والله يهدي السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل.

قال المصنف، الشيخ الإمام العلامة، المحقق السعيد، أبو عبد الله الشهيد، رفع الله درجته، وأعلا منزلته:

Page 4

[شرح ديباجة الرسالة]

(بسم الله الرحمن الرحيم)

مقتديا في الابتداء بالبسملة بكتاب الله تعالى، وبالخبر المشهور عن رسول الله «(صلى الله عليه وآله): «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر» (1) وروى: «أقطع» (2).

ولا يعارضه الخبر المتضمن لكون الابتداء بالحمد لله (3)؛ لأن الابتداء حقيقي وإضافي، فجاز الجمع بينهما، أو أن البسملة مشتملة على الحمدلة؛ إذ المراد منه الثناء الآتي، لا لفظ الحمد، وهو متحقق في البسملة.

والباء إما زائدة لا تتعلق بشيء، أو للاستعانة، أو للمصاحبة متعلقة بمحذوف هو:

مصدر مبتدأ خبره محذوف، أي: ابتدائي باسم الله ثابت. ولا يضر حذف المصدر وإبقاء معموله؛ للتوسع في الجار والظرف بما لا يتوسع في غيرهما.

أو فعل، أي: اؤلف أو ابتدئ.

أو حال من فاعل الفعل المحذوف، أي: ابتدئ مستعينا أو متبركا.

وتقديم المعمول هنا أهم وأدل على الاختصاص، وأدخل في التعظيم، وأوفق للوجود.

Page 5

والاسم لغة: ما دل على مسمى (1)، وعرفا: ما دل مفردا على معنى في نفسه غير متعرض ببنيته لزمان.

والتسمية: جعل اللفظ دالا على ذلك المعنى.

وأدخل الجار على الاسم وإن كان المقصود مدلوله؛ لحصول الدلالة، فإن الحكم الوارد على الاسم وارد على مدلوله، إلا بقرينة- كضرب: فعل- وللتحرز عن إيهام القسم، وللإشعار بتعميم الحكم لجميع أسمائه، أو بأنه تعالى في غاية الكمال، بحيث يتبرك باسمه المتعال.

و(الله) أصله إله (2)، حذفت الهمزة وعوض عنها (3) حرف التعريف، ثم جعل علما للذات الواجب الوجود، الخالق لكل شيء، لا اسما لمفهوم الواجب لذاته؛ لأنه أمر كلي، فلا يفيد التوحيد في مثل: لا إله إلا الله؛ لأن المفهوم من حيث هو يحتمل الكثرة.

ووصفه بالأحدية في قوله تعالى قل هو الله أحد (4) لا ينافي الجزئية الحقيقية؛ لأن المراد بها نفي التعدد الذاتي كالواحدية والأحدية تقتضي نفي التعدد مطلقا- الاعتباري وغيره- حتى الصفات التي هي اعتبارات ونسب، كما قال على (عليه السلام): «وتمام توحيده نفي الصفات عنه» (5). مع إمكان كون أحد في الآية بدلا من الله، وهو خبر للضمير.

و«الرحمن الرحيم» وصفان بنيا من الرحمة؛ للمبالغة. وقدم الرحمن؛ لأنه أبلغ، فإن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، كما في قطع وقطع. وبين اللفظين عموم من وجه، فإن «الرحمن» أعم من حيث المتعلق، وأخص من جهة المورد، و«الرحيم»

Page 6

بالعكس، كما قال الصادق (عليه السلام): «الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم بالعكس» (1).

(الحمد) وهو لغة: الثناء باللسان على الجميل، (2) ولا يحتاج إلى التقييد بجهة التعظيم والتبجيل (3)؛ لترادفهما، ولأن الثناء حقيقة في الخير؛ لأن الثناء على الجميل غير الثناء به. والتقييد باللسان تخصيص لمورده، وإطلاق الجميل تعميم لمتعلقه، وبذلك يمتاز عن الشكر، وهو الفعل المنبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه، فإنه أعم موردا وأخص متعلقا، وفيه تعليل للثناء، ومن ثم اختار الحمد عليه.

وقد يستغني الحمد عن قيد اللسان؛ لأن الثناء حقيقة لا يكون إلا به، وثناء الله على نفسه مجاز، إلا أنه لا يمنع من التصريح به. والمدح يرادف الحمد على هذا التعريف، وقد يخص جميل الحمد بالاختياري، فيكون أخص من المدح مطلقا.

والحمد عرفا: هو الشكر اللغوي، والشكر فيه: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله.

فحصل من ذلك ستة أقسام: حمد لغوي وعرفي، وشكران كذلك، ومتعاكسان.

فبين الحمدين وبين الحمد اللغوي والشكر اللغوي عموم من وجه، وبين الشكرين وبين الحمد والشكر العرفيين وبين الحمد اللغوي والشكر العرفي عموم مطلق، وقد عرفت أن بين الحمد العرفي والشكر اللغوي تساو.

واللام في (الحمد) (4) للاستغراق أو الجنس.

وعلى التقديرين فالحمد مختص وثابت (لله) لا يشركه فيه غيره، إلا على وجه التوسع والتجوز؛ لأنه فاعل الآلات من القدرة والعلم وغيرهما.

وإنما تساوى القولان هنا- مع أن الجنس لا يفيد الشمول- لوجود لام الاختصاص

Page 7

في (لله)، فلا فرد من الحمد لغيره على تقدير الجنس، وإلا لوجد الجنس معه، فلا يكون مختصا به.

وعدل إلى الجملة الاسمية؛ لدلالتها على الثبوت وضعا، والدوام عقلا. وقدم الحمد؛ لاقتضاء المقام له وإن كان تقديم اسم الله مناسبا للاهتمام الذاتي.

(رب) أي مالك العالمين أو سيدهم، وقد يطلق على غير الله، كرب الدار والعبد، لكن مع القيد، ومنه قوله تعالى ارجع إلى ربك (1).

و(العالمين) جمع ل(عالم)، وهو: اسم لما يعلم به الصانع من الجواهر والأعراض.

(والصلاة) وهي الدعاء من الله وغيره، لكنها منه تعالى مجاز في الرحمة.

وهو أولى مما قيل: من أنها منه تعالى بمعنى الرحمة، ومن غيره الدعاء بطلبها. أو أنها منه كذلك، ومن ملائكته الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء (2)؛ لاستلزامهما الاشتراك، والمجاز خير منه، والمعنى الأصلي أولى من النقل.

وعطف الرحمة على الصلاة في قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة (3) لا يقدح في كونها بمعناها؛ لجواز عطف الشيء على مرادفه، كقوله تعالى:

إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله (4)، و لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (5)، وهو كثير .

(على أفضل المرسلين) جمع مرسل، وهو بالنسبة إلى البشر إنسان أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر به فنبي.

وقيل: إنه- مع ذلك- من كان له كتاب أو نسخ لبعض شرع من قبله، فإن لم يكن كذلك فنبي (6).

Page 8

فالرسول أخص من النبي مطلقا، ولو حظ فيه مطلق الرسول بحيث يشمل الملك كان خصوصه من وجه. وكيف كان فنبينا «(صلى الله عليه وآله) أفضل المرسلين مطلقا، وهو يستلزم أفضليته من سائر الأنبياء.

(محمد) بدل من (أفضل)، أو عطف بيان. وهو علم منقول من اسم المفعول، المضعف للمبالغة في الوصف، الذي سمي باعتباره نبينا (صلى الله عليه وآله)، إلهاما من الله تعالى، وتفاؤلا بأنه يكثر حمد الخلق له؛ لكثرة خصاله الحميدة، وقد ورد أنه قيل لجده عبد المطلب- وقد سماه في يوم سابع ولادته؛ لموت أبيه قبلها-: لم سميت ابنك محمدا، وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ قال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض (1)، وقد حقق الله رجاءه.

(وعترته) وهم- كما قال الجوهري-: نسله ورهطه الأدنون (2)، والمراد هنا: الأئمة الاثنا عشر وفاطمة (صلوات الله عليهم).

(الطاهرين) من النقائص والرذائل الخلقية والنفسية، على وجه يبلغ حد العصمة، كما دلت عليه آية الطهارة (3).

(وبعد) الحمد والصلاة (فهذه) إشارة إلى العبارة الذهنية التي كتبها أو يريد كتابتها، الدالة على المعاني المخصوصة، نزلها منزلة الشخص المشاهد المحسوس، فأشار إليها ب(هذه).

وليس المراد بالرسالة النقوش المخصوصة الدالة على المعاني الخاصة، حتى تكون الإشارة إلى المدون في الخارج إن كان وضع الديباجة بعد الرسالة، وإلى المرتب الحاضر في الذهن إن كان قبله؛ لأن النقش الخاص يتعدد مع تعدد الرسالة، بل المراد بها العبارات المعينة الدالة على المعاني المخصوصة، سواء نقشت أم لا، وسواء تعدد نقشها أم اتحد.

Page 9

والفاء هنا من قبيل عطف التوهم؛ لدخول (أما) هنا كثيرا، وفيها معنى الشرط الموجب لدخول الفاء في جوابها.

ومن الباب قول زهير:

بدا لي أني لست مدرك ما مضي

ولا سابق (1) شيئا إذا كان جائيا

(2) بكسر (سابق) على توهم دخول الباء على خبر ليس، لوقوعه كثيرا.

وقول الأخر:

ما الحازم الشهم مقداما ولا بطل (3) وتقدير (أما) المحذوفة هنا- مهما يكن من شيء- بعد الحمد والصلاة:

فهذه (رسالة) وهي جملة يسيرة من الكلام (وجيزة) مؤدية للمقصود بأقل من عبارة المتعارف بين الأوساط الذين ليسوا في مرتبة البلاغة ولا في غاية الفقاهة (4).

ووصفها بالوجازة المؤذنة بالمدح؛ لعدم اقتضاء الحال الاطناب، إذ الغرض من التصنيف إيصال المعنى إلى فهم المتعلم، فترك التطويل أقل كلفة، وأسهل على الحافظ، وإلا فقد يقتضي الحال كون البلاغة هي الإطناب.

(في فرض الصلاة) أي في واجبها؛ لمرادفة الفرض للواجب عندنا. وأراد به الجنس، إذ الغرض بيان جميع واجبات الصلاة الواجبة.

وأطلق الصلاة وإن كان المراد الواجبة؛ لخروج المندوبة بذكر الفرض، إذ النافلة لا فرض فيها.

صنفتها (إجابة لالتماس) أي طلب المساوي من مساويه حقيقة أو ادعاء، كما يقتضيه مقام الخطاب. (من)، أي شخص أو الشخص الذي (طاعته)، وهي (5)

Page 10

امتثال ملتمسه (حتم)، أي واجبة محتومة. وفي الإخبار بالمصدر دون اسم المفعول مبالغة وتأكيد، كما في قولك: رجل عدل، في العدول عن اسم الفاعل.

ولا ستواء المذكر والمؤنث في المصدر اكتفى به عن إظهار تأنيث الخبر عن (طاعته) المؤنثة.

(وإسعافه) بحاجته، وهو قضاؤها له، تقول: أسعفت الرجل بحاجته: إذا قضيتها له.

(غنم) وهو مصدر «غنم»، والاسم «الغنيمة».

بقي في العبارة فوائد:

الأولى: الإجابة مصدر قولك: أجاب يجيب، والاسم: الجابة، بغير همز، وانتصابه على المفعول لأجله، والعامل فيه محذوف، أي صنفتها إجابة. والمراد بالإجابة: الانقياد والتسليم وامتثال الأمر وأخويه. (1)

الثانية: الالتماس حقيقة: هو الطلب من المساوي، كما أن الأمر: طلب الأعلى، والدعاء والسؤال: طلب الأدنى. لكن قد يتجوز في كل من الثلاثة بحسب مقتضى المقام، فيستعمل أحدها مكان الآخر.

والمناسب لأبواب الخطابة تعظيم الطالب وتفخيمه، فلذلك أطلق الالتماس في موضع السؤال؛ لدلالة الظاهر على أن الواقع هنا طلب الأدنى لا المساوي.

ومثله في استعمال بعضها في موضع بعض قوله تعالى لنبيه وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا (2)، وقوله تعالى فما ذا تأمرون* (3)؛ لاقتضاء مقام المستعلم للحال التعبير بالسؤال وإن كان في ذاته أشرف، واقتضاء الاستشارة والاحتياج إلى إخراج الرأي السديد التواضع وإن كان مقام الملك أعلى من مقام الرعية.

ومثله القول في اقتضاء باب الخطابة، وهذا هو المعبر عنه بالادعاء، وجعله

Page 11

قسيما للحقيقة.

الثالثة: في إبهام اسم (1) المسند إليه بجعله موصولا أو نكرة موصوفة، والكشف عنه بالصلة أو الصفة، وجعلها طاعة واجبة، تعظيم وتفخيم للطالب، مضافا إلى ما تقدم من جعله ملتمسا.

ومن التعبير بالموصول لمقام التفخيم قوله تعالى فغشيهم من اليم ما غشيهم (2)، وما ذكر في الآية من المثال موافق للمذكور هنا نوعا.

ومن التعبير بالموصول على وجه التعظيم الموافق لشخص مثال المصنف قول أبي العلاء:

أعباد المسيح يخاف صحبي

ونحن عبيد من خلق المسيحا

(3) وهذا باب محقق في محله.

الرابعة: الذي يقتضيه السياق ومقام الخطابة كون التعبير عن إجابة الطاعة بكونها واجبة على سبيل المبالغة والتعظيم، كما قد عرفته في نظائره.

وفي بعض قيود الرسالة- وربما نسب إلى المصنف- (4) أن طاعته إنما كانت حتما؛ لأنه سأل واجبا، وهو صحيح في نفسه وإن كان فيه خروج عن مقاصد أبواب الخطابة، ولعله اكتفى في مقاصدها بما تقدم من الالتماس والطاعة.

ورده الشارح المحقق الشيخ علي(رحمه الله) رأسا، وجعله فاسدا لفظا ومعنى:

أما اللفظ؛ فلأنه مفوت لجزالة الكلام، والغرض من المبالغات المقصودة بما قبله وما بعده.

وأما من جهة المعني؛ فلأنه إنما يستقيم ذلك من اللفظ أن لو قال: من طاعته في ذلك حتم. والصورة التي أتى بها مطلقة، فكيف يقتصر بها على المسؤول. قال:

Page 12