Maqāmāt al-suyūṭī
مقامات السيوطي
Publisher
مطبعة الجوائب
Edition
الأولى
Publication Year
١٢٩٨ هـ
Publisher Location
قسطنطينية
Genres
•Assemblies
المقامة المسكية
لمولانا جلال الدين الأسيوطي رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفع به جميع المسلمين آمين.
مشتملة على ذكر أربعة أنواع من الطيب ومنافعها: المسك والعنبر والزعفران والزباد.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال مولانا شيخ الحديث جلال الدين الأسيوطي رحمه الله تعالى ونفع به المسلمين: حضر أمراء الطيب بين يدي إمام في البلاغة خطيب. فقالوا: أيد الله مولانا وتولاه، وأمده بالمكارم وولاه، وأولاه من نعمه وما أجدره بذلك وأولاه، وحرسه من المكاره ووقاه، وأصعده إلى ذروة المجد ورقاه، إنا معشر إخوان، وعلى الخير أعوان، نرصد للخير، نقصد لدفع الأذى والضير، لا يرى منا مكروه، وإذا قصدنا عارف لم يرعه منا ما يسوء، ولم يسؤه منا ما يعروه، كل خير عنا شاع وذاع، وكم ربح ربحنا إذا ربحنا ضاع وقد كاد يحصل بيننا نزاع أينا أجل في المرتبة الطيبة وأجل في مواطن الانتفاع، فنادانا المنادي في النادي يا أيها الملأ إني نصيحتكم، أطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، فتواصينا
1 / 2
على حسن السير ...
أضوع من المندل الرطيب، ورفعها على الأسرة والأرائك، وحببها إلى الأنبياء والمرسلين والملائك، وقرنها بالسنن المطلوبة في الجمعة
1 / 3
والعيدين وحسن أولئك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي جعل الخير بحذافيره في الجنة، وأنزل من آثارها أنموذجا يستدل به على ما فيها من عظيم المنة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي جاء بأطهر شريعة، وأطهر سنة إلى الحق سريعة، وأقوى ملة إلى الله ذريعة، الطيب خلقا وخلقا، الذي كان يقطف منه ما هو أطيب من المسك إذا إرفض عرقا ﷺ وصحبه ما نصبت أعواد منبر، وجلبت من بر ما نبت نوافح المسك ومن شاطيء البحر نوافح العنبر.
أما بعد أيها الناس فإني آتي أنواع الطيب شرفًا عميمًا، وجعل لها في الدنيا والآخرة والبرزخ فضلًا عظيمًا، وحببها إلى رسله وأنبيائه، وإلى ملائكته وخواص أصفيائه، ويكفي فيما شرف به الطيب وأولاه.
ما رواه الحاكم في المستدرك وصححه إذ رواه عن أنس بن مالك خادم المصطفى ومولاه قال قالَ رسول الله ﷺ وشرف وعظم وزاد علاه (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) .
وفي حديث آخر رويناه في الصحاح (أربع من سنن المرسلين السواك والتعطر والحناء والنكاح) .
وفي حديث (من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الريح) .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ كان لا يرد الطيب) . رواه البخاري في الصحيح.
وروى البزار في مسنده حديثا في رتبه الإنافة (إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة) .
وقد ورد الأمر بالطيب في غير ما موطن من شرائع الإسلام كالجمعة والعيدين والكسوفين والإستسقاء وعند الإحرام، وشرع مطلقا لكل حي، ولميت كل قبيلة وحي.
وقال أبو ياسر البغدادي الطيب من أعظم لذات البشر، وأقوى لدواعي الوطئ وقضاء الوطر.
وورد في الحديث الصحيح (أن طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه يعني كالمسك والعنبر، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي
1 / 4
ريحه يعني كالزعفران) .
ولهذا حرم على الرجال المزعفر.
ثم أيها الأمراء الثلاثة المسك والعنبر والزعفران ثلاثتكم في الرياسة والسيادة أقران، ولهذا قام فيكم دليل الاقتران في السنة التي هي تالية للقرآن.
روى ابن أبي الدنيا من حديث أنس عن أعظم نبي صعد المنبر (خلق الله الجنة ملاطها المسك وحشيشها الزعفران وحصباؤها اللؤلؤ وترابها العنبر) .
ولكن للمسك بينكم الخصوصية، وله عليكم الفضل والمزية، حيث جاءه ذكره في التنزيل، وذلك غاية التشريف والتبجيل.
قال تعالى فيما تلاه الدارسون (يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك وفي ذلك فلينافس المتنافسون) . [٢٥، ٢٦ المطففين] .
وقال فيه الصادق المصدوق وهو منبئ عن فضله ومعلم (أطيب الطيب وهو المسك) . رواه أبو سعيد الخدري.
ومن كلام العرب المأثور من قديم، ليس الطيب إلا المسك بالرفع على لغة تميم.
وقد طيب به رسول الله في حنوطه عند وفاته، وفضلت منه فضلة فأوصى علي ﵁ أن يحنط به تبركا بفضله فضالته.
وأوصى سليمان الفارسي ﵁ عند احتضاره أن يرش به البيت في أثر صحيح، وقال إنه تحضرني ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولكن يجدون الريح وكم روينا حديثا صحيحا جاء فيه ذكر المسك صريحًا.
ومن ذلك أنه شبه به دم الشهيد، وخلو ف فم الصائم، وجعل عليه المزيد وأن أنهار الجنة تفجر من تحت جباله.
وأن في الجنة مراغًا من المسك يتمرغ فيه كما يتمرغ فيه بهيم الدنيا في رماله وشبه لحاملها الجليس الصالح إما أن يحذيك أو تجد منه ريحا طيبة فأنت في الحالين رابح رائح رائح.
وقد أمر به رسول الله ﷺ الحائض إذا طهرت واغتسلت وقدمه على سائر أنواع الطيب لحكمة علمت ما جهلت، وذلك أنه في الدرجة الثانية من الحرارة التي اشتعلت وما اعتدلت، فهو يسرع إلى العلوق فإذا ألم بها الزوج جبلت.
ومن منافعه الطبية، ومحاسنه الطيبة
1 / 5
أنه يطيب العرق ويسخن الأعضاء وينفع من الرياح الغليظة المتولدة في الأمعاء، ويقوي القلب ويسجع أصحاب المرة السوداء، وفيه من التو حسن تفريح، ومن السدد تفتيح ويصلح الأفكار، ويذهب بحديث النفس وما فيه من الاستنكار، ويقوي الأعضاء الظاهرة وضعا، والباطنة شربا، وناهيك بذلك نفعا ويعين على الباه وينفع من بارد الصداع، وإذا طلي به مع دهن الخيري رأس الإحليل أعان على سرعة الإنزال وكثرة الجماع، ويقوي الدماغ وينفع من جميع علله الباردة، ويبطل عمل السموم ونهش الأفاعي فيا لها من فائدة وهو جيد للغثي وسقوط القوة والخفقان، وللرياح التي تعرض للعين وفي سائر جسم الإنسان ويجلو البياض الرقيق من العين ويقويها وينشف رطوبتها من غير شين، ويعقل البطن ويزيل من الوجه الإصفرار وينفع من أوجاع البواسير الظاهرة طلاء عليها بالتكرار، وإذا استعمل للحرارة الغريزية قواها، وفي أدوية الحواس الأربع كلها ذكاها، وإذا خلط بالأدوية المسهلة كان أبلغ في إبقائها، وينفع من إضعاف الأدوية المسهلات وإذا حل في دهن البان وطلي به الرأس نفع من النزلات، وإذا أسعط به المفلوج وصاحب السكتة الباردة نبهه، وإذا حل في الأدهان المسخنة وطلي به فقار الظهر نفع من الجدري والفالج وما أشبهه، وأكثر نفعه للمشايخ والمرطوبين وخصوصًا في الأزمنة والبلدان القارة، ويصدع الشباب والمحرورين، ولاسيما في البلدان والأزمنة الحارة، ولعظم شأنه وعلو مكانه جبته الشعراء بالتنزيه ولم يشبهوه بشيء بل جعلوه أصلا للتشبيه، فشبهوا به لون المحبوب والخال، وكلما استطيب ريحه شبه به في الحال.
قال في اللون بعض من قال:
أشبهك المسك وأشبهته ... في لونه قائمة قاعدة
لا شك إذ لونكما واحده ... أنكما من طينة واحدة
وقال في الخال صاحب شغل الحال
1 / 6
بدا في خده المحمر خال ... تحير فيه ألباب الرجال
فقلت أليس ذا قلبي أبيس ... وذاك المسك من بعض دم الغزال
وأبدع أبو الطيب في تشبيهه حيث قال في تعظيم ممدوحه وتنويهه
رأيتك في الذي نرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وقال السروجي
في الجانب الأيمن من خدها ... نقطة مسك أشتهي لثمها
حسبتها لما نرى خالها ... وجدته من حسنه عمها
وقال ابن عبد الظاهر
عنبري يروقني الفجر منه ... ولكم فاق عاشق تفريكه
كلما قلت خاله المسك ... قال المسك حاشاه إنني مملوكه
وقال آخر
لا عجب أن مال من نشوة ... فريقه صهباء سلسال
وكيف لا تنسب أنفاسه ... للطيب والمسك له خال
ثم رأيت بعض الشعراء شبهه بالشباب، وذلك يدل على تميزه عند أولي الألباب. قال وجيه الدين أبو الحسن بن عبد الكريم المناوي رحمه الله تعالى
المسك أنفس طيب ... مثل الشباب وزينه
حكاه ظرفا وحسنا ... وفي شذاه ولونه
إن كان للطيب عين=فالمسك إنسان غيره وقال آخر
للمسك فضل على الطيب ... إذا أراد احتكاما
يكفيه أن راح في الخلد ... فاللرحيق ختاما
العنبر
وأما أنت يا عنبر فتأتي المسك في الفضيلة، وتالي رتبته في المزاج، فإن الحرارة في العنبر عدبله، ولكونه أشرف من سائر ما بقي.
قال ابن البيطار العنبر سيد الطيب وإن كان لا يسلم له ذلك في المسك لأنه
1 / 7
مقدم بقبول الصديق الحبيب، وقد صحت أحاديث في السنة أن العنبر تراب الجنة.
روى البخاري في تاريخه عن عائشة ﵂ سألت (أكان النبي ﷺ يتعطر قالت: نعم بذكاوة العطر المسك والعنبر) .
وسأل ابن عباس ﵁ عن ذكاة العنبر فقال إنما هو شيء دثره البحر وإن فقيه الخمس، وفيه منافع أودعها الله لعباده، وقد استخرجها كل طبيب دنس، منها أنه مفيد القلب والحواس ويزيد الدماغ قوة، وينفع شمه من أمراض البلغم الغليظ والفالج واللقوة، وطلاءه من الأوجاع الباردة المعدة، ومن الرياح الغليظة العارضة في الأمعاء والمفاصل، من السدد وينفع من الشقيقة والنزلات الباردة والصداع الكائن عند الإخلاط بخورا ومن جميع أوجاع العصب والجدري، وإذا في دهن البان ودهن به ففاد الظهر كثيرا ويقوي فم المعدة إذا غمست فيه قطنة ووضع عليها يسيرا وينفع أكله من استطلاق البطن المتولد عن البرد وعن ضعف المعدة تقديرا، وهو مقوي لجوهر كل روح في الأعضاء الرئيسة ومكثر له تكثيرا، وقد نزهه الشعراء وشبهوا به من قصدوا لقدرة التنويه.
فقال بعض أهل التمويه:
وسمراء باهى كلفة البدر وجهها ... إذا لاج في ليل من الشعر الجعد
محبته من محبة القلب لونها ... وطينتها للمسك والعنبر الورد
وقال البدر بن الصاحب
لعنبر خاله عبق ... على ورد من الخد
فيا لله طيب شذى ... بذلك العنبر الوردي
وقال أبو الحسن الجوهري يصف النيل
متنا كبنيان الخور ... نق ما يلاقي الدهر كدا
ردفًا كدكة عنبر ... متمايل الأوراك نهدا
1 / 8
الزعفران
وأما أنت أيها الزعفران فقد صحت الأقاويل بأنك حشيش الجنة وترابها، وناهيك بها منقبة جليلا نصابها.
وروي في خبر مأثور أن الله ﷿ خلق من الحور.
فأنت ثالث المراتب، ثابت المناقب، حبيب لكل صاحب، لذيل الفضل ساحب، غبر أنه ليس للرجال في الطيب منك مجال، لا بينك وبينهم في المودة أسجال، ولا في الموردة سجال، حرمت عليهم تحريما شديدا، وهددوا على التخلق بك تهديدا، وأوعدوا على ذلك في القيامة وعيدا وأكد عليهم التغليظ في ذلك تأكيدا ولك مع إخوانك الاشتراك في اليبس والحرارة وفي الزعفران منافع عليها دليل وأسارة، من أنه يحسن اللون ويكسبه نضارة، ويصلح العفونة ويقوي الأحشاء، ويهيج الباه ويقي الأعضاء، ويجلوا البصر ويمنع النوازل إليه وتحلل الأورام وينفع الطحال ولأوجاع المقعدة والأرحام، ويسكن الحرارة ويدر البول ويهضم الطعام، وينفع مما في الرحم من الصلابة والانضمام والقروح وله خاصة عجيبة شديدة عظيمة في تقوية القلب وجوهر الروح وفيه بسط وتفريح، إذا زاد لا يحتمل بحيث أنه إذا شرب منه ثلاثة مثاقيل قتل، ويشمم لصاحب البر سام، لصاحب الشوصة لينام ويسهل النفس ويقوي آلته جدا، ويفتح من العروق والكبد ما يسد سدا، ويسقي يسيره للطلق المتطاول فتلد وهي منفعة حبيبه وإذا عجن من قدر وعلقت على الزوجة والفرس بعد الولادة أخرجت المشيمة، وإذا طبخ وصب ماؤه على الرأس نفع من السهو الكائن عن البلغم المالح وأجاد تنويمه، ومن خواصه أنه لا يغير خلطا البته بل يحفظ الأخلاط بالسوية، وإن سام أبرص لا يدخل بيتا هو فيه. وناهيك بها خصوصية ويكتحل به للزرقة المكتسبة من الأمراض وليحذر الإكثار منه والإدمان عليه فإنه رديء
1 / 9
الأعراض.
ومن جيد التشبيه قول ابن الخوارزمي فيه:
أما ترى الزعفران الغصن تحسبه ... جمرا بدي في رماد الفحم مضطرما
كأنه بين أوراق تحف به ... طرايف الخال في خدين قد نظما
وما عيانا ومسكا نشر رائحة ... في طيبه وكذال المسك كان دما
الزباد
وأما أنت أيها الزباد وإن اشتهرت في كل ناد، بين كل حاضر وباد، فلست تعد مع هؤلاء الأقران، لأنه لم يرد ذكرك في آية من القرآن، ولا في حديث عن سيد ولد عدنان، ولا في الصحاح ولا في الضعاف ولا في الحسان، ولا في أثر عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، فلا تتعد طورك، ولا تبعد غورك، ومتى أدعيت أنك رابعهم قيل لك إخساء، ومتى جاريتهم في ميدان السبق فكبا لك وتعسا، وأخرى أنبئك بها من الفقهاء من قرر نجاستك وذلك مما يسقط في سوق الطيب نفاستك، وقصارى أمرك أنك عرق هد بري، أو لبن سنور بحري، فلا نسب لك ولا حسب، ولا سلف ولا خلف، وأنك أقل شرفا، وأذل سلفا، ومتى إنتتف معك من شعر أصلك ما يجاوز حد العفو فعليك العفا، غير أنا نجبر كسرك ونغني فقرك قد رزقك الله تعالى أنواعا من المنفعة، وجعل فيها أسرارا مودعة إذا شمك المزكوم نفعته من الزكام، وإذا ضمخ بك الدماميل خففت عنها الآلام وإذا سقي منك درهم مع مثله زعفران في مرقة دجاجة سمينة، سهلت ولادة المرأة وحفظت الدرة السمينة، وحرارتك في الدرجة الثالثة، وفيك رطوبة معتدلة لمن أراد المثاقبة والمثافتة والمنافثة.
ثم رأيت في خبر مرسل عن أم حبيبة زوج خير مرسل، أن نسوة النجاشي أهدين لها من الزباد الكثير، وأنها قدمت به على النبي البشير النذير.
فإذن حصل للزباد من ذلك الشرف، وارتقى إلى طبقة عالية الغرف، وصار في أنواع الطيب رابعًا، وللأمراء الثلاثة رابعًا.
وأستغفر الله تعالى مما وقع من تنقيصه وأسعفيه من الجهل. بتمييزه وتخصيصه
1 / 10
جعلنا الله تعالى ممن أناب إلى الحق ورجع وأصغى إلى الصدق وخشع، وأعاذنا برحمته من كل شرك وجنبنا كل زور وكذب وأفك، وجمعنا مع عباده الأبرار والمقربين في سلك، وجعلنا من الذين يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك.
والحمد لله وصلى الله عليه وسلم من لا نبي بعده سيدنا محمد وآله وصحبه وأتباعه وحزبه وغفر الله لنا وللمسلمين أجمعين آمين. وكان الفراغ من كتابة هذه المقامات في صبح يوم الاثنين المبارك أربعة أيام خلت من شهر الحجة الحرام الذي هو من شهور سنة ١٢٦٧-سبع وستين ومائتين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها ألف سلام وألف تحية. وذلك على يد الراجي عفو ربه الوهاب، عمر بن الخطاب اللهم اغفر له ولجميع إخوانه المسلمين، ولمن قال اللهم آمين وصلى الله على محمد وآله وسلم.
المقامة الوردية
لمولانا مجتهد العصر أبي الفضل عبد الرحمن جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى ورضي عنه
مشتملة على ذكر عشرة رياحين ومنافعها: الورد والنرجس والياسمين والبان والبنفسج والنسرين والنيلوفر والآس والريحان والفاغية:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال مولانا شيخ الحديث جلال الدين الأسيوطي رحمه الله تعالى:
حدثنا الريان عن أبي الريحان عن أبي الورد إبان عن بلبل الأغصان عن ناظر الإنسان عن كوكب البستان عن وابل الهتان قال: مررت يومًا على حديقة، خضرة أنيقة، ظلولها وديقة، وأغصانها وريقة، وكوكبها أبدي بريقه ذات ألوان وأفنان، وأكمام وأكفان، وإذا بها أزرار الأنهار مجتمعة، وأنوار الأنوار ملتمعة، وعلى منابر الأغصان أكابر الأزهار، والصبا تضرب على رؤوسها من الأوراق الخضر بالمزاهر، فقلت لبعض من عبر، ألا تحدثوني ما الخبر فقال أن عساكر الرياحين قد حضرت وأزهار البساتين قد نظرت لما نضرت واتفقت على عقد مجلس حافل، لاختيار من هو بالملك أحق وكافل، وها أكابر الأزاهر قد صعدت المنابر، ليبدي كل حجته للناظر ويناظر، من بين أهل المناظر في أنه أحق أن يلحظ بالنواظر، من بين سائر الرياحين النواظر، وأولى بأن يتأمر على البوادي منها والحواضر، فجلست لأحضر فصل الخطاب، وأسمع لما يأتي به كل من فنون الحديث المستطاب.
فهجم الورد بشوكته ونجم من بين الرياحين معجبًا بإشراق صورته، وقال: بسم الله المعين، وبه نستعين، أنا الورد ملك الرياحين، والوارد منعشًا للأرواح ومتاعًا لها إلى حين، ونديم الخلفاء والسلاطين والمرفوع أبدًا على الأسرّة لا أجلس على ترب ولا طين، والظاهر لوني الأحمر على أزاهر البساتين، والأشرف من
1 / 11