ثم خلع قبعته وتقدم إلى سيرل وأعاد قوله «ها أنا ذا»، ولم يتم كلمته بل وقف فاغرا فاه وهو يحملق بعينين مشدوهتين، ثم انفجر في ضحكة عالية، فأمسك بكتفي سيرل وهو يقول: مدهش يا رفيقي العزيز! مدهش جدا! إن أمك نفسها لا يمكن أن تعرفك.
فرد سيرل وهو يمر على ذقنه بأطراف أصابعه: أوه! نعم، إن هذه اللحية الطيبة قد ذهبت. - حسنا، إنني ذاهب الآن إلى وزارة الداخلية لمقابلة الوزير فأنا أعرفه شخصيا، وهو الذي سيعطيني الإذن الذي أحتاج إليه، وسيقوم قطارنا في السادسة والربع من محطة الشرق، وسأحضر إليك هنا قبل السادسة بربع ساعة.
وفي السادسة والربع بعد الظهر سافر الاثنان، وفي صباح اليوم التالي نزلا من القطار المحلي إلى رصيف محطة ليسين، حيث يمكنهما من هناك أخذ العربة إلى حصن دايك، ولم يجدا سوى عربات قديمة غير مريحة، استقلا واحدة، سارت في طريق جميل تحفه مناظر الريف البهجة، لم تأخذ عينا سيرل من جمالها شيئا.
وأخيرا صعدت العربة فوق المنحدر الجبلي الذي يقع فوق الحصن، وما إن وصلا إليه حتى أمر فريزن السائق بالانتظار في مكان ملائم، ونزل هو وسيرل إلى باب الحصن، حيث وقف الديدبان فتقدما إليه، وأبرز فريزن الخطاب الرسمي الذي يحمل شارة وزارة الداخلية، وفيه الإذن له بدخول الحصن، فسمح لهما بالدخول، حيث قابلا ضابطا برتبة الملازم يلبس الثوب الرسمي، فأبرز له فريزن الخطاب، فتمتم هذا بكلمات غير مفهومة وتركهما، وغاب قليلا، ثم عاد ومعه لفتنانت صغير في ملابس رسمية، فلما قرأ الخطاب أدى تحية عسكرية وقال: سيدي الكونت فريزن؟ - ها أنا ذا، وهذا المسيو برتراند سكرتيري الخاص.
ثم أشار إلى الورقة في يد الضابط وتمتم فريزن: لقد أخذت هذا الأمر من جناب الوزير نفسه وأنا أعتقد أنه قانوني. - هو كذلك يا سيدي الكونت، ولكن يظهر أن جناب الوزير لم يكن قد وصل إلى علمه أن السجين المشار إليه ليس معنا.
فانتفض فريزن قائلا: ماذا تعني بقولك إنه ليس معكم؟ - إن السجين كان هنا منذ خمسة أيام فقط، وقد ورد للرئيس أمس أمر من مدير البوليس ليسلمه، وقد حضر ضابطان من ضباط البوليس السري بعربة وأخذا السجين وكان هذا بعد الظهر. - ولكن أين ذهبوا بصاحب ال... ان بال... سجين؟
فابتسم اللفتنانت وقال: إن لديهم أوامر سرية يا سيدي الكونت، وحتى لو كنت أعلم فإني لا أستطيع أن أقول شيئا. - هل أستطيع أن أرى الرئيس؟ - بالطبع يا سيدي الكونت.
وسار الضابط الصغير وخلفه الرجلان إلى حجرة الرئيس، وكان فريزن يحاول إخفاء اضطرابه وضيقه، وقد أحس سيرل من أجله بالأسف لإخفاقه في مكيدته.
وكان الرئيس رجلا كبير السن، عسكريا بمعنى الكلمة؛ فقد كان النظام العسكري لديه أقرب شيء إلى الدين، يخلص له ويقدسه، وقدم لزائريه كرسيين، ودخل الكونت في صلب الموضوع مباشرة، فقال له إن لديه أمرا من الوزير بزيارة السجين، فهل هو موجود بالسجن أم خرج منه فعلا؟
فرد الرئيس بجفاف: لقد خرج فعلا يا سيدي الكونت. - ربما تستطيع جنابك أن تخبرني أين يكون ... صا... ا... سجينكم الآن؟
Unknown page