348

Malāk al-taʾwīl al-qāṭiʿ bi-dhawī al-ilḥād waʾl-taʿṭīl fī tawjīh al-mutshābih al-lafẓ min āy al-tanzīl

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل

Publisher

دار الكتب العلمية

Publisher Location

بيروت - لبنان

إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (المؤمنون: ٢٣)، فالاتصاف بالتقوى ثان عن الاتصاف بالعبادة، فقيل في الأنبياء: (فَاعْبُدُونِ) وفي سورة المؤمنون: (فَاتَّقُونِ)، وكلاهما ذكر على مقتضى الترتيب، وأيضًا فإنا إذا اعتبرنا ما قدم من قصص الرسل في السورتين وجدنا الوارد في سورة الأنبياء مقصورًا على ذكر منحهم وتخليصهم وتأييدهم من لدن قوله تعالى في إبراهيم: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) (الأنبياء: ٥١)، وقوله: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: ٧٣)، فتضمنت هذه الآي بضعة عشر نبيًا، أولهم إبراهيم وآخرهم من أعقب ذكره بالآية المذكورة، وقد اقتصر من قصصهم في هذه الآي على ما يطلع المؤمنين على تكفله سبحانه بالمصطفين من عباده وما اختصهم به، ولم يرد مع ذلك تكذيب قومهم لهم، ولا ما يرجع إلى هذا وكل هذا تأنيس وذكر نعم وآلاء وألطاف يناسبها قوله: (فَاعْبُدُونِ) لكونه أمرًا بالعبادة مجردًا عما في قوله: (فَاتَّقُونِ) من التخويف.
وأما الوارد في سورة طه فمتضمن الطرف الذي عدل عنه في سورة الأنبياء، وهو ذكر جواب الأمم للرسل وقبيح تكذيبهم إياهم وشنيع ردهم وقبيح مقالهم كقول قوم نوح، ﵇: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) (المؤمنون: ٢٤)، (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) (المؤمنون: ٢٤ - ٢٥)، ثم بالغوا في الاستهزاء بقولهم في إخبار الله تعالى عنهم: (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) (المؤمنون: ٢٥)، وقول أهل القرون المذكورين بعد قوم نوح لنبيهم: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) (المؤمنون: ٣٣)، وقوله: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) (المؤمنون: ٣٤) إلى قوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) (المؤمنون: ٣٨)، وقوله تعالى لما تواتر ذكر إرسال الرسل وتكذيب قومهم لهم فقال تعالى: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) (المؤمنون: ٤٤) إلى قوله: (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (المؤمنون: ٤٤)، وقال تعالى مخبرًا عن قوم موسى: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) (المؤمنون: ٤٦)، فناسب هذا التخويف بقوله عقب هذا: (فَاتَّقُونِ)، كما ناسب ما تقدم في آية سورة الأنبياء قوله تعالى: (فَاعْبُدُونِ)، ولم يكن ليناسب ورود واحدة منها موضع الأخرى، فجاء كل على ما يجب، ولا يمكن خلافه.
والجواب عن السؤال الثاني، وهو الفرق بين قوله في سورة الأنبياء (وَتَقَطَّعُوا)، وفي سورة المؤمنون (فَتَقَطَّعُوا) بفاء التعقيب: أنه ورد في آي الأنبياء قبل هذه الآية تأنيسًا لنبيا ﷺ قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) (الأنبياء: ٧)

2 / 354